كشفت دراسة ألمانية عن أدلة جديدة تساعد في تفسير نشأة قشرة كوكب عطارد، مشيرة إلى احتمال ارتباط تشكلها بنشاط بركاني شديد ودرجات حرارة مرتفعة للغاية شهدها باطن الكوكب خلال مراحله الأولى.
واعتمد الباحثون في دراستهم على تحديد نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح عطارد بدرجة دقة أعلى من التقديرات السابقة، في محاولة لفهم طبيعة الصخور التي تكونت على سطح الكوكب والظروف التي أدت إلى نشأتها.
وأجرى الدراسة باحثون من معهد ماكس بلانك لأبحاث النظام الشمسي وجامعتي مونستر وغوتنغن في ألمانيا، ونُشرت نتائجها يوم الجمعة في دورية Planetary Research.

تُعد قشرة عطارد الطبقة الخارجية الصلبة للكوكب، ويُعتقد أنها تشكلت في مراحله المبكرة نتيجة تبريد المواد المنصهرة والنشاط البركاني.
ويحمل سطح عطارد القديم آثارًا واضحة لتاريخه الجيولوجي، إذ تنتشر عليه أعداد كبيرة من الفوهات الناتجة عن اصطدام الأجرام السماوية، إلى جانب سهول بركانية واسعة وتكوينات جيولوجية أخرى.
وبسبب صغر حجم عطارد وقربه الشديد من الشمس، فقد الكوكب جزءًا كبيرًا من حرارته الداخلية بسرعة نسبية، ما أدى إلى تراجع نشاطه الجيولوجي وتوقف النشاط البركاني تقريبًا بعد مليار سنة من تشكله.
ركزت الدراسة على قياس نسبة ثاني أكسيد السيليكون على سطح عطارد، والاستفادة من هذه البيانات في تحديد الظروف التي تشكلت خلالها قشرته، إلى جانب معرفة طبيعة النشاط البركاني ودرجات الحرارة التي سادت داخل الكوكب في مراحله المبكرة.
ويُعد ثاني أكسيد السيليكون عنصرًا رئيسيًا في العديد من الصخور البركانية على الأرض، وقد تصل نسبته إلى نحو 75% في بعض أنواع الصخور.
لكن انخفاض نسبته في صخور عطارد يحمل دلالات مهمة بشأن آلية تشكل هذه الصخور والظروف التي تعرضت لها المواد الموجودة في باطن الكوكب.
أظهرت نتائج الدراسة أن الصخور البركانية على عطارد ربما نشأت من مواد موجودة في وشاح الكوكب تعرضت للانصهار على أعماق أكبر مما كان يُعتقد سابقًا.
وأوضح الباحثون أن تبريد الوشاح المنصهر يؤدي إلى تشكل الصخور الأولى، التي تستخلص كميات محدودة نسبيًا من ثاني أكسيد السيليكون من الصهارة، بينما تصبح الصهارة المتبقية أكثر غنى بالسيليكا مع استمرار عملية التبريد.
وبالتالي، يمكن أن تشير النسبة المنخفضة من ثاني أكسيد السيليكون في الصخور السطحية إلى أن المواد التي شكلتها تعرضت للانصهار في ظروف شديدة الحرارة وعلى أعماق كبيرة داخل وشاح عطارد.
واجه الباحثون تحديًا يتمثل في عدم وصول أي عينات صخرية من عطارد إلى الأرض، فضلًا عن عدم هبوط مركبة على سطحه لجمع عينات مباشرة.
ولهذا السبب، اعتمد الفريق على الأشعة تحت الحمراء المنبعثة من سطح عطارد، بهدف تحويل القياسات إلى بيانات تكشف التركيب الكيميائي للصخور.
بدأ الباحثون بإجراء تجارب مخبرية باستخدام حبيبات زجاجية صغيرة لا يتجاوز حجمها نحو نصف مليمتر، واحتوت هذه الحبيبات على نسب محددة بدقة من ثاني أكسيد السيليكون.
وقاس الفريق خصائص الأشعة تحت الحمراء الصادرة عن هذه العينات، بهدف بناء طريقة يمكن من خلالها ربط الإشارات التي ترصدها الأجهزة الفضائية بالتركيب الكيميائي للصخور الموجودة على سطح عطارد.
قبل تطبيق التقنية الجديدة على عطارد، اختبر الباحثون مدى دقتها على القمر، بالاعتماد على بيانات الأشعة تحت الحمراء التي جمعتها مركبة الاستطلاع القمرية التابعة لوكالة ناسا منذ عام 2009.
وتمكن الفريق من إعداد أول خريطة كاملة لمحتوى ثاني أكسيد السيليكون على سطح القمر، ثم قارن النتائج ببيانات عينات صخرية حقيقية جلبتها بعثات مأهولة وغير مأهولة.
وساعدت هذه المقارنة الباحثين على التحقق من موثوقية الطريقة قبل استخدامها لدراسة سطح عطارد.
بعد نجاح الاختبار على القمر، طبق الفريق الطريقة على بيانات الأشعة تحت الحمراء الخاصة بعطارد، ومن بينها قياسات جُمعت باستخدام تلسكوب بوك في مرصد ستيوارد بولاية أريزونا الأميركية.
وأظهرت الحسابات أن ثاني أكسيد السيليكون يشكل نحو 37% من سطح عطارد من حيث الكتلة، وهي نسبة تقل بنحو 25% عن التقديرات التي توصلت إليها دراسات سابقة.
ويرى الباحثون أن انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون يوفر دليلًا جديدًا على أن النشاط البركاني الذي أسهم في بناء قشرة عطارد حدث في ظروف شديدة الحرارة.
كما تشير النتائج إلى أن المواد التي صعدت من باطن الكوكب ربما تعرضت للانصهار على أعماق أكبر مما كان يُعتقد سابقًا، ما يضيف معلومات جديدة إلى فهم العلماء للتاريخ المبكر للكوكب.
ومع ذلك، لا يستبعد الفريق تفسيرًا آخر لهذه النسبة المنخفضة، إذ يحتمل أن يكون عطارد قد امتلك في الماضي كمية أكبر من ثاني أكسيد السيليكون في قشرته، قبل أن يفقد جزءًا من الأكسجين الموجود فيها مع مرور الوقت.
وفق هذا الاحتمال، فإن انخفاض نسبة ثاني أكسيد السيليكون في سطح عطارد قد لا يكون مرتبطًا بالكامل بظروف تشكل الصخور، بل ربما لعب التطور الكيميائي للكوكب دورًا في الوصول إلى التركيب الحالي.
ويعني ذلك أن العلماء بحاجة إلى دراسة مجموعة من العوامل الجيولوجية والكيميائية معًا لفهم تاريخ قشرة عطارد وتطورها بصورة أكثر دقة.
وتكمن أهمية الدراسة في توفير طريقة جديدة للاستفادة من الأشعة تحت الحمراء في الكشف عن التركيب الكيميائي لسطح عطارد، رغم عدم توفر عينات صخرية مباشرة من الكوكب.
ويمكن أن تساعد هذه التقنية العلماء على استنتاج الظروف التي سادت في باطن عطارد خلال مراحله الأولى، وفهم طبيعة نشاطه البركاني، إلى جانب إعادة بناء تاريخه الجيولوجي بصورة أكثر دقة.
وتفتح النتائج الباب أمام استخدام البيانات الطيفية المتاحة لدراسة مكونات سطح الكوكب وربطها بالعمليات التي حدثت في أعماقه، بما يوفر صورة أوضح عن كيفية تشكل كوكب عطارد وقشرته وتطوره الجيولوجي.