في الوقت الذي ينشغل فيه العلماء باستكشاف الكواكب والمجرات البعيدة، تظل هناك أجسام فضائية أقرب بكثير إلى الأرض وتخضع لمراقبة مستمرة، وعلى رأسها الكويكبات. ورغم أن معظمها يمر بسلام دون أن يشكل أي تهديد، فإن بعض السيناريوهات المستقبلية تفرض على العلماء التفكير في كيفية حماية كوكب الأرض إذا تغير مسار أحد هذه الأجرام.
ولهذا السبب، لا تتعامل ناسا مع احتمال اصطدام كويكب بالأرض باعتباره سيناريو خياليًا، بل تضعه ضمن الملفات التي تحتاج إلى استعداد طويل الأمد. وفي الوقت نفسه، لا توجد حاليًا مؤشرات على وجود كويكب معروف يمثل خطرًا مباشرًا على الأرض، ما يجعل عمليات الرصد والتجارب العلمية وسيلة للوقاية والاستعداد وليس لمواجهة خطر وشيك.
خلال مشاركته في مؤتمر بمدينة أوفييدو الإسبانية، أوضح خبير ناسا أومبرتو كامبينس أن اصطدام الكويكبات بالأرض جزء من الأحداث الطبيعية التي شهدها النظام الشمسي على مدار تاريخه.
وأشار إلى أن هذه الاصطدامات ستظل ممكنة في المستقبل، لكن احتمالية وقوع اصطدام خطير خلال الجيل الحالي منخفضة للغاية، ولذلك لا يوجد سبب يدعو إلى القلق الفوري.
ويركز العلماء بدلًا من ذلك على تطوير القدرة على اكتشاف الأجسام التي قد تشكل خطرًا قبل فترة طويلة من وصولها إلى الأرض، لأن عامل الوقت قد يكون حاسمًا في إنقاذ الكوكب.
تتزايد المخاوف عادةً مع تداول أخبار عن اقتراب كويكب من الأرض، إلا أن المرور بالقرب من كوكبنا لا يعني تلقائيًا وجود خطر اصطدام.
وتعمل ناسا وشبكة من المراصد حول العالم على متابعة الأجسام القريبة من الأرض، مع تسجيل مواقعها وحركتها وإجراء حسابات مستمرة لمساراتها المستقبلية.
وتساعد هذه البيانات على تحديد الكويكبات التي لا تمثل أي تهديد، وكذلك التعرف على الأجسام التي تحتاج إلى مراقبة إضافية بسبب طبيعة مسارها أو حجمها.
تبدأ عملية الدفاع الكوكبي من اكتشاف الكويكب، ثم دراسة خصائصه ومداره وسرعته واتجاه حركته، وبعد تحديد المسار المتوقع للجرم، يستطيع العلماء تقدير احتمالية اقترابه من الأرض، والمدة الزمنية التي تفصل بين اكتشافه وأي مواجهة محتملة.
ويتيح الاكتشاف المبكر فرصة أكبر للتدخل، إذ إن تغيير مسار كويكب بدرجة بسيطة جدًا قد يكون كافيًا لإبعاده عن مسار الأرض إذا تم ذلك قبل سنوات طويلة.
كانت مهمة DART واحدة من أهم التجارب التي أجرتها ناسا في مجال الدفاع الكوكبي، بعدما أرسلت مركبة فضائية للاصطدام عمدًا بالكويكب ديمورفوس في سبتمبر 2022.
وكان الهدف معرفة ما إذا كان الاصطدام يمكن أن يغير حركة الكويكب، وقد نجحت المهمة بالفعل في تعديل مداره حول الكويكب ديديموس.
وأهمية التجربة لا تكمن فقط في نجاحها، وإنما في إثبات أن البشر يستطيعون التأثير في حركة جرم فضائي باستخدام تقنية الاصطدام الحركي.
لا يشترط منع الكويكب من خلال تفجيره أو تدميره، إذ قد تكون الطريقة الأكثر فاعلية هي تغيير مساره بدرجة صغيرة.
وعندما يحدث هذا التغيير قبل وقت طويل من موعد الاقتراب، تتراكم نتائجه تدريجيًا، وقد يتحول الانحراف البسيط إلى مسافة كبيرة تجعل الكويكب يمر بعيدًا عن الأرض.
لكن نجاح أي مهمة مستقبلية سيعتمد على عوامل عديدة، أبرزها حجم الكويكب وتركيبه وسرعته والمسافة التي تفصله عن الأرض والوقت المتاح للتدخل.
من بين الكويكبات التي تستقطب اهتمام العلماء أبوفيس، الذي سيشهد اقترابًا لافتًا من الأرض في أبريل 2029.
ومن المتوقع أن يمر الكويكب على مسافة تقل عن 32 ألف كيلومتر تقريبًا من سطح الأرض، وهي مسافة قريبة جدًا وفق المقاييس الفلكية.
لكن هذا الاقتراب لا يعني أن أبوفيس سيصطدم بالأرض، إذ تؤكد ناسا أنه لا يمثل خطرًا على الكوكب خلال هذا المرور.
يمثل اقتراب أبوفيس فرصة نادرة لدراسة سلوك الكويكبات أثناء مرورها بالقرب من الأرض.
ومن المتوقع أن تؤثر جاذبية كوكبنا في حركة الكويكب ودورانه، وهو ما يمكن أن يوفر للعلماء معلومات جديدة حول طبيعة هذه الأجرام وطريقة استجابتها لقوى الجاذبية.
كما ستساعد مراقبة أبوفيس على تحسين النماذج العلمية المستخدمة لفهم الكويكبات القريبة من الأرض، ما يدعم جهود البحث في مجال الدفاع الكوكبي.
تعتمد ناسا على عمليات رصد مستمرة للكويكبات والأجسام القريبة من الأرض، ولا تقتصر هذه العملية على اكتشافها فقط.
فبعد العثور على أي جرم، يعمل العلماء على جمع المزيد من القياسات لتحديد مداره بدقة، ثم تحديث الحسابات مع وصول بيانات جديدة.
وتسمح هذه الطريقة بتوقع تحركات الكويكب على المدى الطويل، وبالتالي اكتشاف أي تغير قد يستدعي مزيدًا من الدراسة أو الاستعداد.
لا تمثل الكويكبات مصدرًا محتملًا للخطر فقط، إذ ينظر إليها العلماء أيضًا باعتبارها أجسامًا غنية بالموارد.
وتشير الدراسات إلى إمكانية الاستفادة مستقبلًا من المياه وبعض المعادن الموجودة في عدد من الكويكبات، وهو ما يفتح الباب أمام تطوير مفهوم التعدين الفضائي.
وقد تكون المياه من أهم الموارد التي يبحث عنها رواد الفضاء مستقبلًا، نظرًا لإمكانية استخدامها في دعم الحياة أو إنتاج الوقود، ما قد يقلل من الاعتماد الكامل على الإمدادات القادمة من الأرض.
مع استمرار تطور تقنيات استكشاف الفضاء، قد تصبح فكرة استخراج الموارد من الكويكبات أكثر واقعية خلال العقود المقبلة.
وفي حال تطورت تقنيات الوصول إلى هذه الأجرام واستخراج مواردها ونقلها، فقد تصبح الكويكبات جزءًا من البنية التحتية للرحلات الفضائية طويلة المدى.
كما يمكن أن يساعد استغلال الموارد الموجودة خارج الأرض في دعم قواعد بشرية مستقبلية، خصوصًا إذا أصبح الوجود البشري في الفضاء أكثر استدامة.