سجلت الولايات المتحدة أول حالتي وفاة مرتبطتين بالحصبة خلال عام 2026، بعد إعلان السلطات الصحية في ولاية بنسلفانيا وفاة شخصين غير ملقحين من مقاطعة لانكستر، في تطور يعيد المرض شديد العدوى إلى واجهة المخاوف الصحية الأمريكية.
ولا تقتصر أهمية الحالتين على كونهما أولى وفيات الحصبة في الولايات المتحدة هذا العام، إذ تأتيان في وقت تشهد فيه البلاد ارتفاعًا كبيرًا في أعداد الإصابات، بينما تراجعت معدلات التطعيم في بعض المناطق إلى مستويات تقل عن النسبة التي تساعد على الحد من تفشي الفيروس.
أعلنت وزارة الصحة في بنسلفانيا بالولايات المتحدة الأميركية، الثلاثاء 25 أغسطس/آب، وفاة شخصين من سكان مقاطعة لانكستر بعد إصابتهما بالحصبة، مؤكدة أن كليهما لم يكن حاصلًا على التطعيم ضد المرض.
ولم تكشف السلطات عن أعمار المتوفين أو أي تفاصيل شخصية إضافية، حفاظًا على خصوصية العائلتين، لكنها أوضحت أن الوفاتين تمثلان أول حالاتي وفاة مرتبطتين بالحصبة في بنسلفانيا منذ 35 عامًا.
وتعكس هذه الواقعة تحولًا لافتًا في المشهد الصحي للولاية، بعدما ظلت الحصبة لفترة طويلة مرضًا نادرًا نسبيًا بالنسبة إلى الأجيال التي نشأت في ظل انتشار واسع للتطعيمات.
تكمن أهمية هذه الوفيات في أنها تأتي بالتزامن مع موجة إصابات واسعة النطاق في الولايات المتحدة. ووفق أحدث بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها، سُجلت 2777 إصابة مؤكدة بالحصبة في البلاد حتى 20 أغسطس/آب 2026، وهو رقم تجاوز بالفعل إجمالي الإصابات المسجلة خلال عام 2025.
وبذلك لا تبدو الوفيات الجديدة حادثة منفصلة عن الاتجاه العام، بل جزءًا من أزمة أوسع تتعلق بعودة الفيروس إلى مجتمعات شهدت لسنوات انخفاضًا كبيرًا في معدلات الإصابة.
وتشير بيانات وزارة الصحة في بنسلفانيا إلى تسجيل 393 حالة حصبة في 28 مقاطعة داخل الولاية خلال 2026؛ ما يوضح حجم الضغط الذي تواجهه السلطات المحلية في احتواء انتشار المرض.

أحد الجوانب البحثية المهمة في الأزمة الحالية هو الفجوة بين الصورة التي يحتفظ بها كثيرون عن الحصبة وبين طبيعة المرض ومضاعفاته.
الحصبة من أكثر الفيروسات المعدية، ويمكن أن تنتقل من خلال الهواء عندما يسعل أو يعطس الشخص المصاب، كما يستطيع الفيروس البقاء معديًا في الهواء وعلى الأسطح لفترة تصل إلى ساعتين بعد مغادرة المصاب للمكان.
وتبدأ الأعراض عادة بالحمى والسعال وسيلان الأنف واحمرار العينين، قبل ظهور الطفح الجلدي بعد عدة أيام. وفي بعض الحالات يمكن أن تتطور العدوى إلى مضاعفات خطيرة، من بينها الالتهاب الرئوي وتورم الدماغ.
وبحسب وزارة الصحة في بنسلفانيا، يحتاج نحو 20% من المصابين بالحصبة إلى دخول المستشفى، بينما تحدث الوفاة في نحو حالة إلى ثلاث حالات من كل ألف إصابة.
لا يمكن قراءة ارتفاع الإصابات بعيدًا عن معدلات التطعيم؛ لأن السيطرة على الحصبة تعتمد بدرجة كبيرة على وجود نسبة مرتفعة من الأشخاص المحصنين داخل المجتمع.
وتوضح البيانات الصحية أن الولايات المتحدة نجحت في القضاء على الانتقال المحلي المستمر للمرض عام 2000، لكن انخفاض معدلات التطعيم في السنوات الأخيرة خلق مساحات أكبر أمام الفيروس للانتشار عندما يصل إلى المجتمعات غير المحصنة.
وتزداد أهمية هذه النقطة مع استمرار تسجيل حالات في مناطق مختلفة من البلاد، إذ إن وجود مجموعات كبيرة من الأشخاص غير المحصنين يجعل احتواء أي بؤرة تفشٍ أكثر صعوبة.
تعد مقاطعة لانكستر من المناطق التي تستحق متابعة خاصة في أزمة الحصبة الحالية، خصوصًا مع وجود مجتمع أميش كبير فيها، وهي جماعة تضم بعض الأفراد الذين يترددون في تلقي التطعيمات.
لكن من المهم عدم اختزال انتشار الحصبة في مجتمع بعينه، إذ إن الفيروس قادر على الانتقال بين المناطق والمجموعات المختلفة عندما توجد فجوات في المناعة المجتمعية.
وتظهر بيانات الولاية أن نحو 88% من أطفال رياض الأطفال في مقاطعة لانكستر تلقوا لقاح الحصبة خلال العام الدراسي الماضي، وهي نسبة أقل من مستوى التغطية الذي يُنظر إليه عادة باعتباره ضروريًا للحفاظ على الحماية المجتمعية من الحصبة.

دفعت زيادة الإصابات السلطات الصحية في بنسلفانيا إلى توسيع حملات التطعيم، خصوصًا في المناطق التي سجلت معدلات إصابة مرتفعة.
ووفق وزارة الصحة، تلقى أكثر من 35 ألف شخص لقاح الحصبة والنكاف والحصبة الألمانية MMR خلال يوليو 2026، أي نحو 10 آلاف جرعة إضافية مقارنة بالمعدل المعتاد في الشهر. كما قدمت العيادات المؤقتة التابعة للولاية أكثر من 4100 جرعة منذ بداية تفشي المرض في أبريل.
وأعلنت السلطات أيضًا عن إقامة عيادات تطعيم مؤقتة إضافية خلال الأسابيع المقبلة، في محاولة لرفع مستوى المناعة وتقليل فرص ظهور بؤر جديدة للعدوى.
تكشف الأرقام الحالية عن تغير واضح في مسار المرض داخل الولايات المتحدة. فبحلول 20 أغسطس/آب، وصلت الإصابات المؤكدة إلى 2777 حالة، وفق بيانات مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها.
وتكتسب هذه الأرقام أهمية أكبر عند مقارنتها بتاريخ مكافحة الحصبة في البلاد، إذ أصبحت الإصابات والوفيات المرتبطة بالمرض نادرة بعد عقود من برامج التطعيم واسعة النطاق.
لكن تراجع معدلات التحصين يمكن أن يعيد المشكلة إلى الواجهة، خصوصًا أن الحصبة تحتاج إلى مستوى مرتفع من المناعة المجتمعية لمنع انتقالها بسهولة.
من أبرز التداعيات المحتملة لاستمرار التفشي مسألة وضع الولايات المتحدة المتعلق بالقضاء على الحصبة.
وكانت الولايات المتحدة أعلنت القضاء على الانتقال المحلي المستمر للمرض عام 2000، إلا أن استمرار سلاسل التفشي لفترات طويلة قد يفرض إعادة تقييم هذا الوضع على المستوى الدولي.
ومن المقرر أن يناقش مسؤولون صحيون دوليون في نوفمبر/تشرين الثاني المقبل ما إذا كانت الولايات المتحدة والمكسيك لا تزالان تستوفيان معايير الحفاظ على وضع خلوهما من الحصبة، في ظل استمرار التفشيات الحالية.
وهنا تتحول أزمة 2026 من مجرد ارتفاع مؤقت في الإصابات إلى اختبار حقيقي لقدرة النظام الصحي الأمريكي على الحفاظ على المكاسب التي تحققت خلال العقود الماضية.

تكمن دلالة حالتي الوفاة في أن الحصبة عادت لتظهر كتهديد صحي ملموس، وليس مجرد مرض نادر يتم رصده في حالات متفرقة.
وتشير المعطيات إلى أن الولايات المتحدة سجلت خلال العامين الماضيين خمس وفيات مرتبطة بالحصبة، وهو عدد يتجاوز إجمالي الوفيات التي تم الإبلاغ عنها خلال العقود الثلاثة السابقة مجتمعة، بحسب التقرير الذي نقلته وكالة أسوشيتد برس.
ومع استمرار ارتفاع الإصابات، تصبح القضية الأساسية أمام السلطات الصحية هي منع تحول التفشيات المتفرقة إلى انتقال مستمر للفيروس داخل المجتمعات.
تكشف التطورات الأخيرة أن نجاح الولايات المتحدة في السيطرة على الحصبة لم يكن يعني اختفاء خطر المرض بصورة نهائية، بل كان مرتبطًا باستمرار مستويات مرتفعة من المناعة المجتمعية.
والحالتان المسجلتان في بنسلفانيا تمثلان الجانب الأكثر خطورة من الأزمة، لكن الصورة الأوسع تتعلق بارتفاع الإصابات، وتراجع التغطية بالتطعيم في بعض المناطق، وصعوبة السيطرة على فيروس شديد العدوى عندما يجد تجمعات من الأشخاص غير المحصنين.
وفي الوقت الذي تكثف فيه بنسلفانيا حملات التطعيم والاستجابة الصحية، ستظل أرقام الإصابات خلال الأشهر المقبلة مؤشرًا مهمًا على ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على احتواء موجة الحصبة الحالية أم أن عام 2026 سيشكل نقطة تحول في مسار المرض داخل البلاد.