حقق الروفر بيرسيفيرانس اكتشافًا جيولوجيًّا لافتًا على سطح المريخ، بعد رصد معدن الكوروندوم الحامل للكروم، وهو المعدن الذي تتشكل منه أحجار الياقوت والزفير على الأرض.
وعُثر على حبيبات المعدن في ثلاث قطع صخرية قرب فوهة جيزيرو، في اكتشاف قد يساعد العلماء على فهم الظروف الجيولوجية التي شهدها الكوكب الأحمر في ماضيه.

اكتشف فريق من الباحثين بقيادة عالمة الجيوكيمياء آن أوليلا من مختبر لوس ألاموس الوطني، حبيبات من الكوروندوم الحامل للكروم في ثلاث قطع صخرية على حافة فوهة جيزيرو، وذلك للمرة الأولى في تاريخ دراسة المريخ.
ويُعد الكوروندوم معدنًا أساسيًّا في تكوين الياقوت والزفير على الأرض، بينما يرتبط وجود الكروم في بنيته البلورية باللون الأحمر المميز للياقوت.
يتكون الياقوت والزفير من معدن الكوروندوم، فيما تحدد العناصر والشوائب الموجودة داخل بنيته البلورية ألوانه وخصائصه.
ويمنح الكروم الياقوت لونه الأحمر القاني؛ إذ تندمج ذراته في البنية البلورية للكوروندوم وتغير خصائصه البصرية، وهو ما دفع الباحثين إلى مقارنة الإشارات التي سجلها بيرسيفيرانس بعينات من الياقوت والزفير ومعادن أخرى موجودة على الأرض.
يطرح الاكتشاف سؤالًا جيولوجيًّا مهمًّا حول كيفية تشكل الكوروندوم في المكان الذي عُثر عليه، إذ يتكون المعدن عادة في بيئات غنية بالألومنيوم وفقيرة بالسيليكون.
لكن الصخور المريخية التي احتوت على الكوروندوم تتميز بوجود كميات كبيرة من البلاجيوكليز، وهو معدن يستهلك الألومنيوم ويجعل الظروف أقل ملاءمة لتكوين الكوروندوم.
وهذه المفارقة دفعت الباحثين إلى البحث عن ظروف استثنائية ربما ساعدت على ظهور المعدن في تلك الصخور.
يفترض العلماء أن الكوروندوم ربما تشكل نتيجة اصطدام عنيف قديم أدى إلى تكوين فوهة جيزيرو، إذ يمكن للحرارة والضغط والسوائل الساخنة الناتجة عن الاصطدامات الكبرى أن تحدث تغيرات واسعة في التركيب المعدني والكيميائي للصخور.
ويشير هذا الاحتمال إلى أن الكوروندوم ربما تشكل خلال ظروف جيولوجية استثنائية مرتبطة بالأحداث العنيفة التي شهدها المريخ في ماضيه.
درس الباحثون ثلاث قطع صخرية عُثر عليها على حافة فوهة جيزيرو، وتحمل أسماء "هامبدن ريفر" و "كوفي كوف" و "سميثس هاربور".
وتُعد هذه الصخور شظايا منفصلة لم تعد في مواقع تشكلها الأصلية، ويرجح أنها انتقلت نتيجة الاصطدامات أو بفعل عمليات جيولوجية أخرى شهدتها المنطقة.
فحص بيرسيفيرانس الصخور الثلاث خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان ويوليو/تموز من عام 2025، باستخدام تقنية مطيافية الوميض الزمني، التي تعتمد على تسليط الليزر على المعدن وتحليل الضوء المنبعث منه استجابة لذلك.
وتطابقت الإشارات التي سجلها المسبار مع الخصائص المعروفة للكوروندوم الحامل للكروم، ما قدم دليلًا على وجود المعدن في العينات المريخية.
لا يعني اكتشاف الكوروندوم بالضرورة العثور على أحجار ياقوت مكتملة بالشكل المعروف على الأرض، إذ إن القضية العلمية الأهم تتمثل في فهم كيفية تشكل الكوروندوم على المريخ والظروف التي سمحت بوجوده.
وعند مقارنة الباحثين العينات المريخية بالياقوت والزفير ومعادن أخرى على الأرض، ظهرت أوجه تشابه واضحة، إذ سجلت الصخور الثلاث قممًا مميزة للوميض مرتبطة بالكوروندوم المحتوي على شوائب الكروم.
وسجلت عينة "سميثس هاربور" وميضًا استمر لنحو 3 مللي ثانية، وهي مدة تتوافق مع القياسات المسجلة للكوروندوم الموجود على الأرض.
رغم الأدلة التي جمعها بيرسيفيرانس، لا يزال أصل الكوروندوم المكتشف بحاجة إلى مزيد من الدراسة والتأكيد، خصوصًا أن الصخور التي عُثر فيها على المعدن ليست بالضرورة في مواقع تشكلها الأصلية.
ويحتاج العلماء إلى تحديد المصدر الجيولوجي لهذه الشظايا وفهم الظروف التي أدت إلى تكوين الكوروندوم فيها، فيما قد يمثل إحضار عينات المريخ إلى الأرض ودراستها في المختبرات خطوة حاسمة لحل هذا اللغز.
ويفتح الاكتشاف بذلك نافذة جديدة على التاريخ الجيولوجي للمريخ، ويشير إلى أن الكوكب الأحمر ربما شهد في ماضيه ظروفًا أكثر تعقيدًا وتنوعًا مما تكشفه الصخور الموجودة على سطحه اليوم.