شكّل توقف مركبة "مافن" التابعة لوكالة ناسا ضربة جديدة لجهود استكشاف المريخ، بعدما فقد العلماء أحد أهم مصادر المعلومات حول الكوكب الأحمر وغلافه الجوي.
ويأتي هذا التطور في وقت تتزايد فيه الطموحات العالمية للوصول إلى المريخ واستيطانه مستقبلاً، ما يجعل خسارة هذه المهمة العلمية المؤثرة مصدر قلق للأوساط البحثية المهتمة بدراسة الكوكب الأحمر وتاريخه المناخي.

أعلنت وكالة "ناسا" رسمياً انتهاء مهمة مركبة "مافن" (MAVEN)، المتخصصة في دراسة الغلاف الجوي للمريخ، بعد أكثر من عشر سنوات من العمل العلمي المتواصل في مدار الكوكب الأحمر، وذلك عقب ستة أشهر من انقطاع الاتصال بها بشكل مفاجئ.
ووفقاً لتقرير نشره موقع "ساينس نيوز"، فإن توقف المركبة نهائياً لا يعني فقط خسارة أداة بحثية مهمة، بل فقدان عنصر أساسي في شبكة الاتصالات التي تربط المركبات الجوالة على سطح المريخ بالعلماء ومراكز التحكم على الأرض.
قال مدير مشروع "مافن" مايك مورو، من مركز غودارد لرحلات الفضاء التابع لناسا، إن المركبة أصبحت غير قابلة للاستعادة، مشيراً إلى أن فريق العمل تعامل مع نهاية المهمة كما لو أنه فقد شريكاً علمياً رافقهم لسنوات طويلة.
وكان آخر اتصال ناجح بين المركبة والأرض قد جرى في ديسمبر/كانون الأول 2025، قبل فترة قصيرة من مرورها خلف المريخ. وبعد خروجها من تلك المرحلة المدارية، لم تتمكن محطات الاستقبال من التقاط أي إشارات جديدة صادرة عنها.
أظهرت البيانات الأخيرة التي تلقتها ناسا من المركبة في السادس من ديسمبر/كانون الأول الماضي أنها كانت تدور بسرعة بلغت نحو 2.7 دورة في الدقيقة، وهو أمر غير طبيعي بالنسبة لمركبة يفترض أن تحافظ على استقرارها الكامل أثناء التشغيل.
وأشارت لجنة مراجعة فنية اجتمعت خلال فبراير/شباط الماضي إلى أن هذا الدوران أدى إلى استنزاف بطاريات المركبة بشكل متسارع، ما تسبب في انقطاع الطاقة عن أنظمة الاتصال وفقدان التواصل معها نهائياً. وحتى الآن لا يزال السبب الأساسي وراء هذا الخلل قيد التحقيق.
ودخلت مركبة "مافن" مدار المريخ في سبتمبر/أيلول 2014 بهدف دراسة تطور مناخ الكوكب الأحمر وفهم الأسباب التي أدت إلى تحوله من بيئة أكثر ملاءمة للحياة إلى عالم بارد وجاف كما نراه اليوم.
واعتمدت المهمة على تنفيذ عمليات رصد متكررة داخل الطبقات العليا من الغلاف الجوي للمريخ، ما أتاح جمع بيانات غير مسبوقة حول التغيرات المناخية التي شهدها الكوكب عبر مليارات السنين.
من أبرز النتائج التي توصلت إليها المهمة أن الرياح الشمسية تواصل تجريد المريخ من غلافه الجوي بشكل مستمر. وبسبب افتقار الكوكب إلى مجال مغناطيسي قوي يحميه كما هو الحال على الأرض، فإنه يفقد نحو 100 غرام من غلافه الجوي كل ثانية.
كما كشفت البيانات أن معدلات فقدان الغلاف الجوي ترتفع بشكل كبير أثناء العواصف الشمسية والتوهجات القوية، وهو ما يدعم فرضية أن المريخ فقد جزءاً كبيراً من غلافه الجوي في مراحله المبكرة عندما كانت الشمس أكثر نشاطاً.
أكدت الباحثة الرئيسية في مشروع "مافن"، شانون كاري، أن المهمة وفرت فهماً أعمق لظاهرة هروب الغلاف الجوي على المريخ مقارنة بأي كوكب آخر، بما في ذلك الأرض.
وتساعد هذه النتائج في تفسير الأسباب التي جعلت المريخ يبدو في الماضي أكثر دفئاً ورطوبة، وهي ظروف ربما سمحت بوجود المياه السائلة لفترات طويلة، رغم عدم العثور حتى الآن على دليل قاطع يؤكد نشوء الحياة على سطحه.
من جانبها، أوضحت عالمة الجيولوجيا فيكي هاميلتون أن مهمة "مافن" قدمت أقوى الأدلة العلمية حتى الآن حول كيفية تحول المريخ من عالم يحتضن الماء السائل إلى بيئة قاسية وباردة وجافة.
لم تقتصر إنجازات المركبة على دراسة مناخ المريخ، بل ساهمت أيضاً في اكتشاف أنواع جديدة من الشفق القطبي على الكوكب الأحمر.
كما نسقت "مافن" مع المركبة الجوالة "بيرسيفيرانس" لتنفيذ أول عملية رصد للشفق القطبي من سطح المريخ، ما منح العلماء تصوراً أقرب للمشاهد الضوئية التي قد يراها رواد الفضاء والمستوطنون المحتملون على الكوكب الأحمر مستقبلاً.
يمثل انتهاء مهمة "مافن" خسارة علمية كبيرة لبرامج استكشاف المريخ، خاصة أنها كانت أحد أهم المصادر لفهم الغلاف الجوي للكوكب وتطوره عبر الزمن.
وبينما تواصل وكالات الفضاء التخطيط لإرسال بعثات بشرية إلى المريخ، ستبقى البيانات التي جمعتها المركبة على مدار أكثر من عقد مرجعاً أساسياً للعلماء في رسم ملامح مستقبل الاستكشاف البشري للكوكب الأحمر.