قد تشعر بعض الأمهات بالحزن أو القلق عندما يبتعد طفلها عنها أو يرفض الحضن، فتعتقد أن ذلك دليل على ضعف تعلقه بها أو أنه لم يعد بحاجة إلى قربها.
لكن خبراء نمو الطفل يؤكدون أن رفض الحضن لا يعني بالضرورة وجود مشكلة في العلاقة، بل قد يكون وسيلة يعبر بها الطفل عن احتياجاته أو حالته الجسدية أو النفسية في تلك اللحظة.

ما الأسباب التي تجعل بعض الأطفال يرفضون الحضن أحيانًا؟
يميل الأطفال، خصوصًا بعد عمر السنة الأولى، إلى اكتشاف استقلاليتهم واتخاذ قراراتهم بأنفسهم. لذلك قد يرفض الطفل الحضن في موقف معين، ثم يعود بعد دقائق ليطلبه بنفسه.
الفرق هنا مهم؛ فالطفل الذي يشعر بالأمان مع والديه لا يحتاج إلى إثبات حبهما من خلال قبول الحضن في كل مرة، بل يشعر بالحرية في اختيار متى يريد القرب الجسدي.
يختلف الأطفال في طريقة استجابتهم للمحفزات الحسية، فبعضهم يكون أكثر حساسية للمس أو الضغط الجسدي من غيره.
قد يشعر هؤلاء الأطفال بعدم الارتياح عند العناق الطويل أو المفاجئ، حتى لو كانوا يحبون والديهم كثيرًا.
وتظهر هذه الحساسية أحيانًا مع أمور أخرى مثل:
ولا تعني هذه الحساسية بالضرورة وجود اضطراب نمائي، لكنها قد تستدعي استشارة مختص إذا كانت تؤثر في حياة الطفل اليومية.
إذا كان الطفل منهمكًا في اللعب أو الاستكشاف، فقد يرى أن الحضن يقطع تركيزه، فيبتعد أو يرفضه.
ويرى خبراء النمو أن اللعب بالنسبة للأطفال ليس مجرد تسلية، بل هو عملهم الأساسي الذي يتعلمون من خلاله، لذلك قد يفضلون إكمال ما يفعلونه ثم العودة إلى والديهم لاحقًا.
عندما يشعر الطفل بالإرهاق أو الجوع أو الانزعاج، تختلف طريقة تعبيره عن احتياجاته.
فبينما يبحث بعض الأطفال عن الحضن، يفضل آخرون الابتعاد قليلًا حتى يستعيدوا هدوءهم.
لهذا قد لا يكون رفض الحضن في تلك اللحظة رفضًا للشخص نفسه، بل انعكاسًا للحالة المزاجية أو الجسدية.
مع التقدم في العمر، يبدأ الطفل بإدراك أن جسده ملك له، وأن من حقه اختيار متى يريد اللمس ومتى لا يريده.
ويعد احترام هذا الرفض، عندما لا يتعلق بموقف يتطلب تدخلًا لحمايته، خطوة مهمة في تعليمه الحدود الشخصية واحترام جسد الآخرين أيضًا.
كما يختلف الكبار في طريقة التعبير عن مشاعرهم، يختلف الأطفال أيضًا.
فبعضهم يعبر عن حبه بالعناق والالتصاق الدائم، بينما يفضل آخرون إظهار محبتهم بالجلوس بالقرب من والديهم أو الحديث معهم أو اللعب بجانبهم.
ولذلك لا ينبغي مقارنة طفل بآخر في مقدار تقبله للتواصل الجسدي.
في معظم الحالات، لا يدعو رفض الحضن المتكرر وحده إلى القلق.
لكن يوصى باستشارة طبيب الأطفال أو اختصاصي النمو إذا كان الرفض مصحوبًا بعلامات أخرى مثل:
فهنا لا يكون رفض الحضن هو المشكلة بحد ذاته، بل جزءًا من صورة أوسع تحتاج إلى تقييم متخصص.
إجبار الطفل على الحضن قد يزيد رفضه ويجعله يشعر بأن حدوده غير محترمة.
دعيه يقترب عندما يشعر بالاستعداد، فغالبًا ما يبادر الطفل الذي يشعر بالأمان إلى طلب القرب في الوقت الذي يناسبه.
قد يفضل الطفل الإمساك بيدك، أو الجلوس بجانبك، أو اللعب معك، أو الابتسام لك بدل العناق.
رفض الحضن مرة أو عدة مرات أمر طبيعي، أما إذا كان جزءًا من تغير واضح في السلوك أو ترافق مع مؤشرات نمائية أخرى، فمن الأفضل طلب استشارة مختص.
ليس كل طفل يعبر عن الحب بالطريقة نفسها، وليس كل رفض للحضن يعني وجود مشكلة في العلاقة بينه وبين والديه. ففي كثير من الأحيان يكون الأمر مرتبطًا بشخصية الطفل، أو حالته المزاجية، أو حاجته إلى مساحة شخصية، أو حساسيته للمس. والأهم من الإصرار على العناق هو بناء علاقة يشعر فيها الطفل بالأمان والقبول، ويعرف أن مشاعره وحدوده تحظى بالاحترام.