"اتركيه يعتمد على نفسه"، "لا تدافعي عنه"، "دعيه يواجه الحياة حتى تقوى شخصيته".. عبارات تتكرر كثيراً في تربية الأطفال، حتى أصبح البعض يعتقد أن تعريض الطفل للمواقف الصعبة هو الطريق الأسرع لبناء شخصية قوية.
لكن علماء النفس يفرقون بين التحديات الصحية التي تساعد الطفل على النمو، والضغوط المرهقة التي قد تضعف شعوره بالأمان وثقته بنفسه. فهل يحتاج الطفل فعلاً إلى المعاناة حتى يصبح قوياً؟

يوضح مركز الطفل النامي في جامعة هارفرد (Center on the Developing Child at Harvard University) أن الأطفال لا يكتسبون القوة النفسية من مجرد التعرض للمواقف الصعبة، بل من طريقة استجابة البيئة المحيطة لهم أثناء تلك المواقف.
ويشير المركز إلى أن التعرض لتحديات يومية مناسبة للعمر يساعد على تنمية مهارات التكيف وحل المشكلات، لكن بشرط وجود علاقة داعمة ومستقرة مع شخص بالغ يمنح الطفل شعوراً بالأمان.
أما عندما يتعرض الطفل لضغوط تفوق قدرته على التحمل من دون هذا الدعم، فقد تتحول التجربة إلى مصدر للإجهاد، بدلاً من أن تكون فرصة للنمو.
ويفرق الباحثون في هارفرد بين الضغوط الإيجابية (Positive Stress)، مثل خوض تجربة جديدة أو مواجهة تحدٍ بسيط مع وجود دعم من الوالدين، وبين الضغوط السامة (Toxic Stress)، وهي الضغوط الشديدة أو المستمرة التي يواجهها الطفل من دون احتواء أو مساندة، والتي قد تؤثر في نمو الدماغ وتنظيم المشاعر على المدى البعيد.
تشير الأبحاث في علم النفس التنموي إلى أن المرونة النفسية لا تنشأ لأن؛ الطفل تعرض لمواقف صعبة، وإنما لأنه تعلم كيف يتعامل معها بوجود شخص يمنحه الدعم والأمان.
فالطفل الذي يخوض تجربة جديدة وهو يعلم أن والديه موجودان لمساندته، يكتسب ثقة أكبر بقدراته مقارنة بطفل يُترك وحده بحجة "تعليمه الاعتماد على النفس". فالتحديات المناسبة تختلف عن الضغوط المؤذية
عندما تكون التحديات مناسبة لعمر الطفل، مثل حل مشكلة بسيطة، أو التحدث أمام زملائه، أو تحمل مسؤولية صغيرة، فإنها تساعده على تطوير مهاراته.
أما عندما تكون أكبر من قدرته على التحمل، أو يشعر خلالها بالخوف أو الإذلال أو الوحدة، فقد تتحول إلى مصدر للضغط النفسي بدلاً من التعلم.
يظن بعض الآباء أن إنقاذ الطفل من المواقف الصعبة يجعله ضعيفاً، فيتجنبون التدخل حتى عندما يكون الطفل بحاجة إلى المساندة.
لكن الدراسات تشير إلى أن الأطفال يطورون الاستقلالية تدريجياً عندما يشعرون بوجود قاعدة آمنة يعودون إليها عند الحاجة، وليس عندما يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم لمواجهة كل شيء.

ليست الصعوبة وحدها هي العامل المؤثر، بل طريقة التعامل معها.
يساعد الموقف على بناء شخصية الطفل عندما:
وجود شخص بالغ داعم يقلل التوتر، ويجعل الطفل أكثر استعداداً للتجربة والمحاولة.
المهمة التي يستطيع إنجازها بعد بعض المحاولات تعزز ثقته بنفسه، بينما المهمة المستحيلة قد تزرع لديه شعوراً بالعجز.
عندما يفهم الطفل أن الخطأ جزء طبيعي من التعلم، يصبح أكثر جرأة على المحاولة مستقبلاً.
بدلاً من التركيز على النجاح أو الفشل فقط، يحتاج الطفل إلى الحديث عما شعر به، وما الذي تعلمه من التجربة.
قد تأتي النتائج عكسية عندما يتعمد الأهل:
في هذه الحالات، لا يتعلم الطفل القوة، بل قد يتعلم أن مشاعره غير مهمة، أو أن طلب الدعم علامة ضعف.
بدلاً من صناعة مواقف صعبة للطفل، يمكن منحه فرصاً تدريجية لاختبار قدراته، مثل حل خلاف بسيط مع صديق، أو شراء غرض بنفسه، أو تجربة نشاط جديد، مع وجود دعم وتشجيع إذا احتاج إليه.
فالهدف ليس حماية الطفل من كل تحدٍ، ولا دفعه إلى كل صعوبة، بل مساعدته على اكتساب الثقة من خلال تجارب تناسب عمره وإمكاناته.
لا تؤكد سيكولوجية الطفل أن الشخصية القوية تُبنى بالمعاناة، بل تشير إلى أن المرونة النفسية تنمو عندما يواجه الطفل تحديات مناسبة يشعر خلالها بالأمان والدعم. فالقوة الحقيقية لا تأتي من كثرة المواقف الصعبة، وإنما من اكتشاف الطفل، خطوة بعد أخرى، أنه قادر على تجاوزها، وأنه يشعر بأن لديه سندًا يلجأ له ليشعر بالأمان والقوة.