في خضم الركض اليومي بين الواجبات العائلية والمهنية، قد تمرّين بلحظات لا تشبه التعب المعتاد. تستيقظين بجسد منهك رغم نومك، تنهارين باكية فجأة دون سبب ظاهر، وتراودك مشاعر مربكة: هناك الكثير من المهام التي لا تنتهي، أو لا أشعر بالمعنى فيما أفعله.
تظنين أن السبب هو قلة النوم، أو جدولك المكتظ، أو حتى ضغوط الأطفال والعمل… لكن ماذا لو لم يكن الإرهاق في جسدك، بل في روحك؟ ماذا لو كان ما ينقصك ليس الراحة، بل الإحساس بالمعنى؟
قد تكونين بحاجة إلى أكثر من مجرد استراحة. ربما تحتاجين إلى وقفة صادقة مع نفسك، تطرحين فيها سؤالًا بسيطًا لكنه جوهري: هل ما أعيشه يُشعرني بالوجود حقًّا؟
كثيرًا ما نخلط بين الإرهاق العادي الناتج عن كثرة المهام، وبين حالة أكثر خفاءً وتأثيرًا، تُعرف بـالإنهاك الوجودي أو Fading Sense of Meaning. هذا النوع من التعب لا يزول بالراحة أو الإجازة؛ لأنه ليس تعبًا في الجسد، بل في الروح.
الإرهاق الجسدي يعالج بالنوم، أما الإرهاق الوجودي فيحدث عندما تفقدين الاتصال بما يجعلك تنهضين كل صباح بحماسة أو هدف.
إلي أبرز العلامات التي تعني أنك لا تشعرين بالإرهاق، لكن بفقدان المعنى في الحياة:
تقضين اليوم في تنفيذ المهام، لكن مع نهاية اليوم، لا تشعرين بالإنجاز. وكأن كل ما تفعلينه ليس كافيًا أو لا يشبهك.
لم تعودي تعرفين ماذا تريدين على المدى البعيد. كل ما في بالك هو إنهاء اليوم فقط، دون شغف أو خطط.
لا وجود لأحداث سلبية محددة، ولكن داخلك شعور عميق بالحزن أو التبلّد.
تتساءلين: لماذا تبدو سعيدة؟ ما الذي يجعلها حية أكثر مني؟ لكنك لا تعرفين ماذا ينقصك بالضبط. ولا توجد رغبة حقيقية في تقليدهم.
المعنى لا يُشترى، ولا يُورَّث. بل يُبنى عبر إدراككِ لما يجعلك تشعرين بأنكِ موجودة حقًّا. بالنسبة للبعض، يأتي المعنى من العطاء، أو العلاقة مع الله، أو من هدف شخصي كالتعلم أو تربية الأبناء أو الكتابة أو الفن.
تقول الطبيبة النفسية "ليزا فايرستون": عندما نعيش فقط لأداء المهام، بدون اتصال داخلي مع ما نحبه أو نؤمن به، يبدأ الإحساس باللاجدوى بالتسلل إلينا.
اسألي نفسك: ما الذي يجعلني أشعر بالحياة؟ هل ما أفعله يوميًّا يُشبهني حقًّا؟
توقفي عن تبرير كل شيء بعبارات مثل: مشغولة أو مرهقة فقط. أحيانًا نستخدم هذه الكلمات لنخفي فراغًا أعمق لا نريد مواجهته.
ربما كتابة خاطرة، قراءة كتاب توقفتِ عنه، لقاء صديقة حقيقية، أو حتى لحظة صمت تتحدثين فيها إلى نفسكِ بصدق.
فقدان الشعور بالمعنى قد يكون أحد أعراض القلق أو الاكتئاب. التحدث مع متخصص ليس ضعفًا، بل شجاعة ضرورية للشفاء.
أن تكوني مرهقة لا يعني بالضرورة أنكِ بحاجة للنوم فقط. أحيانًا، تحتاجين أن تجدي نفسكِ مجددًا، أن تلمسي جوهرك، وتعيدي تعريف معنى وجودك في هذه الحياة.
الحياة ليست سباقًا، ولا جدول مهام. الحياة هي سؤال عميق: لماذا أفعل ما أفعله؟ وحين تجدين الإجابة، يبدأ التعب الحقيقي في الانحسار.