تستعد لوحة بورتريه ذاتي للفنان الهولندي رامبرانت للعودة مؤقتًا إلى المكان الذي احتضنها لعقود، بعدما جرى الاتفاق على إعارتها من متحف "ألته بيناكوثيك" في ميونيخ، بعد نحو 80 عامًا من مغادرتها مدينة غوتا الألمانية في ظروف مثيرة للجدل.
وتأتي عودة اللوحة بالتزامن مع معرض "رامبرانت 1632: نشأة علامة تجارية"، الذي يستضيفه متحف الدوقية في قصر فريدنشتاين خلال الفترة من 5 سبتمبر/أيلول إلى 6 ديسمبر/كانون الأول، حيث يُنتظر أن تكون اللوحة واحدة من أبرز الأعمال التي تستقطب الزوار.
يركز المعرض على مرحلة مهمة من مسيرة رامبرانت الفنية، وتحديدًا الفترة التي انتقل فيها من توقيع أعماله بالأحرف الأولى إلى استخدام اسمه الأول فقط، في خطوة أسهمت لاحقًا في ترسيخ هويته الفنية.
ويضم المعرض 11 لوحة للفنان الهولندي، إلا أن البورتريه الذاتي المقبل من ميونيخ يحظى باهتمام خاص، نظرًا إلى قصته المرتبطة بتاريخ غوتا والحرب العالمية الثانية والانقسام الذي شهدته ألمانيا خلال الحرب الباردة.
وتعود اللوحة إلى عام 1629، عندما كان رامبرانت في الرابعة والعشرين من عمره، وتظهره بشعر أشعث داخل مساحة مظلمة. وتوجد نسخة أخرى من العمل نفسه ضمن مقتنيات متحف ريكز في أمستردام.

بدأت علاقة غوتا باللوحة عام 1803 عندما اقتناها الدوق إرنست الثاني، دوق ساكس-غوتا-ألتنبورغ، قبل أن تُعرض في قصر فريدنشتاين بدءًا من عام 1842.
وفي عام 1928، انتقلت ملكية المجموعة الفنية الدوقية إلى دوق ساكس-كوبرغ ومؤسسة غوتا للفنون والعلوم، وظلت لوحة رامبرانت معروضة أمام الجمهور حتى اندلاع الحرب العالمية الثانية.
ومع تصاعد المخاطر خلال الحرب، نُقلت اللوحة إلى قصر راينهاردسبرون، على مسافة نحو 20 كيلومترًا من غوتا، حفاظًا عليها. وبعد دخول القوات الأميركية إلى المدينة في أبريل/نيسان 1945 ثم وصول القوات السوفيتية في يوليو/تموز من العام نفسه، عادت اللوحة إلى المتحف الدوقي.
في عام 1946، غادرت اللوحة غوتا مجددًا في عملية سرية نُظمت لنقلها إلى كوبورغ، التي تبعد نحو 100 كيلومتر جنوبًا. وشارك في ترتيب العملية مدير سابق للمتحف الدوقي، من دون الحصول على موافقة المدير الذي كان يتولى المنصب آنذاك أو مؤسسة الفنون والعلوم.
وجاءت عملية النقل في ظل مخاوف من مصادرة القوات السوفيتية للأعمال الفنية ونقلها إلى الاتحاد السوفيتي، بعدما كانت القوات السوفيتية تجمع أعمالًا فنية من مناطق مختلفة في ألمانيا.
لكن القصة لم تتوقف عند نقل اللوحة، ففي مرحلة ما بعد الحرب، باعت العائلة الدوقية العمل إلى مجموعات اللوحات الفنية الحكومية البافارية مقابل 75 ألف مارك ألماني، أي ما يعادل نحو 18 ألف دولار أميركي في ذلك الوقت، لتنتقل اللوحة إلى ميونيخ.
وكان الانقسام السياسي والجغرافي لألمانيا عاملًا أساسيًا في استمرار الخلاف حول ملكية العمل، إذ أصبحت غوتا ضمن جمهورية ألمانيا الديمقراطية الخاضعة للنفوذ السوفيتي، فيما كانت ميونيخ ضمن جمهورية ألمانيا الاتحادية.
أوضح المؤرخ الثقافي ميركو كروغر، الذي بحث في قضية اللوحة، أن القانون الألماني كان ينص على سقوط حق المالك في استعادة القطعة الأثرية بعد مرور 30 عامًا على فقدانها. وبالنسبة إلى بورتريه رامبرانت، انتهت هذه المدة عام 1976، أي قبل إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.
وخلال سنوات الحرب الباردة، زادت الانقسامات السياسية من صعوبة معالجة القضية قانونيًا، خصوصًا أن المؤسسة المالكة للعمل كانت في ألمانيا الغربية، بينما كانت غوتا تقع في ألمانيا الشرقية.
في السنوات الأخيرة، تحرك عمدة غوتا كنوت كروخ باتجاه إعادة فتح ملف اللوحة، وتواصل مع رئيس وزراء بافاريا ماركوس زودر، لتبدأ بعد ذلك سلسلة من المباحثات رفيعة المستوى انتهت إلى اتفاق الإعارة الحالي.
وبموجب الاتفاق، ستعود لوحة رامبرانت إلى قصر فريدنشتاين، المكان الذي عُرضت فيه لعقود منذ القرن التاسع عشر، لتكون هذه المرة عودة مؤقتة ضمن معرض مخصص للفنان الهولندي.
من جانبها، أكدت مجموعات اللوحات الفنية الحكومية البافارية في ميونيخ أن بيع العمل في فترة ما بعد الحرب كان خسارة كبيرة لمؤسسة فريدنشتاين غوتا، معتبرة أن إتاحة اللوحة للمعرض الحالي تمثل فرصة مهمة للتبادل الثقافي والحوار بين المؤسستين.