توفي الفنان التشكيلي الفلسطيني سليمان منصور مساء الاثنين، 24 أغسطس/آب، في مدينة القدس، بعد صراع مع المرض، خلال فترة علاجه في مستشفى جمعية المقاصد الخيرية، عن مسيرة فنية امتدت لعقود وحجز خلالها مكانة بارزة في تاريخ الفن التشكيلي الفلسطيني.
ويعد منصور أحد أبرز الفنانين الذين ارتبطت أعمالهم بتجسيد الهوية الفلسطينية، إذ تحولت لوحاته على مدار مسيرته إلى مساحة للتعبير عن الأرض والإنسان والذاكرة، مع حضور واضح للقدس والقرى الفلسطينية وموروثها الثقافي.

ارتبط اسم سليمان منصور بشكل خاص بلوحته الشهيرة "جمل المحامل"، التي أصبحت من أبرز الرموز البصرية المرتبطة بالقضية الفلسطينية.
وتصور اللوحة رجلًا فلسطينيًا مسنًا يحمل على ظهره القدس، في مشهد يعكس ثقل المعاناة والتمسك بالأرض والمدينة، وتحولت لاحقًا إلى صورة واسعة الانتشار بعدما أعيد طبعها على ملصقات في سبعينيات القرن الماضي.
ولم تكن القدس وحدها حاضرة في تجربة منصور، إذ ظهرت في أعماله رموز أخرى ارتبطت بالذاكرة الفلسطينية، من بينها شجرة الزيتون والبرتقال والتطريز التقليدي ومشاهد الحياة اليومية وشخصية المرأة الفلسطينية.

ولد سليمان منصور في بيرزيت عام 1947، ودرس الفنون التشكيلية في أكاديمية بتساليل للفنون في القدس.
ومنذ سبعينيات القرن الماضي، بدأ في تطوير أسلوب فني ارتبط بالواقع الفلسطيني، مستخدمًا الرسم كوسيلة للتعبير عن قضايا الأرض والهوية والذاكرة.
ومع مرور السنوات، اتسعت تجربته لتشمل استخدام مواد من البيئة الفلسطينية نفسها، من بينها الطين، الذي أصبح عنصرًا أساسيًا في مجموعة من أعماله الفنية.
اختار منصور في مراحل مختلفة من تجربته استخدام الطين لصناعة أعمال تحمل ارتباطًا مباشرًا بالأرض، من خلال تشكيل طبقات منه داخل إطارات خشبية وبناء تكوينات فنية تستحضر فلسطين وتاريخها.
وأضفت طبيعة المادة المستخدمة على أعماله بعدًا إضافيًا، إذ كانت التشققات والتغيرات التي تظهر مع جفاف الطين جزءًا من التكوين الفني، بما يعكس مرور الزمن وتحول الأشياء.
في عام 1987، أسس منصور مع الفنانين فيرا تماري وتيسير بركات ونبيل عناني مجموعة "نحو التجريب والإبداع"، التي ارتبطت بالتحولات التي شهدها الفن الفلسطيني خلال الانتفاضة الأولى.
واتجه أعضاء المجموعة إلى استخدام مواد طبيعية ومحلية مثل القهوة والحنة والطين، لربط العمل الفني بالبيئة المحلية.
وشكلت هذه التجربة محطة مهمة في تطور الفن الفلسطيني، بعدما أصبح العمل الفني نفسه جزءًا من التعبير عن الهوية والموقف السياسي.
حصل سليمان منصور خلال مسيرته على العديد من الجوائز والتكريمات المحلية والدولية، من بينها جائزة روما وجائزة اليونسكو وجائزة النيل للمبدعين العرب وجائزة فلسطين للفنون التشكيلية.
كما رسّخ حضوره خارج إطار اللوحة من خلال مشاركاته في مشاريع مرتبطة بالفن والثقافة الفلسطينية، إلى جانب مساهمته في تطوير المؤسسات الفنية في الضفة الغربية والقدس.

لم يقتصر حضور منصور على الرسم، إذ ساهم في تأسيس عدد من المؤسسات والمبادرات الفنية الفلسطينية.
وترأس رابطة الفنانين الفلسطينيين خلال الفترة بين 1986 و1990، كما شارك عام 1994 في تأسيس مركز الواسطي للفنون في القدس الشرقية، وتولى إدارته خلال عامي 1995 و1996.
وكان أيضًا من المساهمين في تأسيس الأكاديمية الدولية للفنون في فلسطين التي أنشئت في رام الله عام 2004، وشارك في مجلس إدارتها.
كما عمل في مجال تدريس الفن في عدد من المؤسسات والجامعات في الضفة الغربية، من بينها جامعة القدس.
امتدت تجربة سليمان منصور إلى فن الكاريكاتير، إذ نشر أعماله بين عامي 1981 و1993 في صحيفة "الفجر" الأسبوعية التي كانت تصدر باللغة الإنجليزية في القدس.
كما شارك في تأليف كتاب "Both Sides of Peace: Israeli and Palestinian Political Poster Art"، الذي تناول فن الملصقات السياسية من الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني.
وبرحيله، يفقد المشهد التشكيلي الفلسطيني أحد أبرز الفنانين الذين جعلوا من الفن وسيلة لحفظ الذاكرة وتوثيق علاقة الإنسان بالأرض، تاركًا وراءه أعمالًا تجاوز حضورها حدود المعارض لتصبح جزءًا من الصورة البصرية المرتبطة بفلسطين.