عندما استلمت الخبر من الطبيبة بأن نبض طفلتي توقف وأنني فقدت نور، فقدت إدراكي لكل ما هو حولي لدقائق مرت وكأنها ساعات، كان كل من حولي يبكون وأنا أنظر إليهم ولست مستوعبة ما الذي يحدث.
هكذا شاركت الفاشينيستا " بتول عقاد" تجربتها في تلقي خبر فقدان ابنتها نور بعد تجارب عديدة مع التلقيح الصناعي، مع موقع"فوشيا" في اليوم العالمي لتذكار فقدان الحمل والرضع "15 أكتوبر".
وهو دعوة مفتوحة للأفراد والمنظمات لرفع مستوى الوعي حول التأثير العميق للحمل وفقدان الرضيع على العائلات. وهو أكثر شيوعا مما يدركه معظم الناس، فهناك أكثر من 30 بالمائة من حالات الحمل تنتهي بالإجهاض. وفقا لمركز السيطرة علي الأمراض والوقاية منها.
وفي مساهمتنا بهذه الحملة التوعوية حاورنا بتول لتحكي لنا قصتها مع فقدان طفلتها نور، ومشاعرها وطرق التعامل مع الفقد، لتكون بمثابة مرجع لكل تجربة مشابهة تبحث عن الإجابات الكافية وطرق تجاوز الحزن والألم.

تجربة الفقد من أقسى التجارب الإنسانية، ومشاعرها لا تُنسى مهما مرّ الزمن. قد يبدو الأب أو الأم متماسكين أمام الآخرين، لكن داخلهما جرح عميق لا يلتئم، يعود ليفتح أبوابه في لحظات الضعف. ففقدان طفل ليس كفقدان قريب أو صديق، إنه أشبه بفقد جزء من الروح وقطعة من القلب.
قبل أن أعيش تجربة الولادة، كنت أظن أن الألم الذي سأواجهه هو ألم جسدي فقط، كما أخبرتني الأمهات من حولي. كنت مستعدة لتحمّل المخاض وآلامه، لكنني لم أكن مستعدة لتجربة مختلفة تماما. حين دخلت إلى ولادة طفلتي الأولى، كنت أعلم مسبقًا أنها ستأتي إلى الدنيا بلا حياة، فقد توقفت نبضات قلبها تماما. وهنا اجتمعت مشاعر الألم والخوف في داخلي، وبدأتُ أطرح على نفسي سؤالا صعبا:
هل يجب أن أراها عندما تولد، لتبقى صورتها عالقة في ذاكرتي للأبد؟ أم أختار ألّا أراها رحمةً بقلبي وعقلي؟
كان هذا السؤال يرافقني مع كل انقباض وكل لحظة ألم، خاصة أنني ولدت في ظروف صعبة؛ غرفة فارغة لا يتواجد فيها أي كادر طبي، فقط أختي بجانبي، دون طبيبة أو توجيه. كان كل ما أتمناه هو أن تنتهي عملية الولادة بسرعة.
وعندما جاءت اللحظة، اتخذت القرار الأصعب: لم أرها. لم يكن القرار سهلا أبدا، فقد فكرت طويلا في أنني قد أندم لاحقا، لكنني أدركت أن الألم موجود في كل الأحوال؛ سواء رأيتها أو لم أرها. كنت أعلم أن الذكرى ستطاردني في كلتا الحالتين، وأن عليّ أن أختار الألم الذي يمكنني احتماله أكثر. وفي تلك اللحظة، بدا لي أن الخيار الأخف على قلبي هو ألّا أراها.
أصعب ما واجهته كان التعامل مع مشاعري. في بيئتنا العربية نفتقد كثيرا مهارات الذكاء العاطفي، فلا نُربّى على كيفية فهم مشاعرنا أو التعبير عنها. خلال رحلتي الطويلة، من محاولات التلقيح الصناعي IVF وحتى الولادة، وجدت نفسي أعيش مزيجا متناقضا من الأحاسيس: أضحك وأبكي في اللحظة ذاتها، أغضب وأبتسم في الوقت نفسه. هذا الاضطراب في المشاعر أثقلني، فقد كان في داخلي خليط من الحزن والقوة، الضعف والامتنان، الألم والفرح.
كنت أشعر أيضا بيقين عميق أن الله اختارني لهذه التجربة وزرع في داخلي قوة خاصة لأتحملها، لكنني لم أستطع أن أرى هذه الحقيقة بوضوح إلا بعد مرور الوقت. في لحظات التجربة نفسها، كنت أتساءل كسائر البشر: لماذا أنا؟ لماذا لا أستطيع الوصول إلى النهاية السعيدة كغيري من النساء اللواتي مررن برحلة التلقيح الصناعي؟ لماذا لم تُتوَّج قصتي بحضن طفلتي كما كنت أحلم؟
ما زاد الأمر قسوة أنني لم أسمع من قبل عن هذه الجوانب المؤلمة: الفشل في التلقيح، الإجهاضات المتكررة، أو احتمالية الفقد. كنت أرى فقط القصص التي تنتهي بالفرح وولادة طفل سليم، لذلك بدا واقعي مختلفا وصادما. ولهذا السبب تحديدا قررت مشاركة تجربتي، حتى أرفع الوعي بما قد تخفيه هذه الرحلات من آلام وتحديات لا يعرفها المجتمع.
في النهاية، قد يكون من بيننا من كُتب له ألّا يترك سلالة على هذه الأرض، وهذه حقيقة مؤلمة لكنها جزء من أقدارنا. الأصعب دائما كان التعامل مع كل تلك المشاعر المتناقضة دفعة واحدة، خاصة أننا كجيل لم نتعلم كيف نتصالح مع عواطفنا أو نديرها بشكل صحي، سواء كنا نساءً أو رجالا. لذلك كان التحدي الحقيقي بالنسبة لي هو الصمود أمام هذه العاصفة العاطفية الهائلة.

بعد مرور سنة وشهرين تقريبا على تجربة الفقد، أستطيع القول إن الصورة لم تكتمل بعد. لم أتجاوز الألم كليا، لكنه أصبح جزءا من حياتي وتصالحت معه. بتّ أستطيع الحديث عنه بهدوء، دون انهيار كما في البداية، وأكافئ نفسي في كل مرة أجدني قادرة على استرجاع التجربة دون دموع مرهقة، وإن كان البكاء حاضرا أحيانا فأنا أسمح له أن يخرج في وقته.
تعلمت أن كل شيء في الحياة له توقيته المناسب، وأصبحت أكثر اقتناعا بأن الأمومة ليست مجرد وجود طفل بين يديك، بل هي شعور داخلي وطاقـة عاطفية قد تسكن امرأة لم تنجب بعد، وتغيب أحيانا عن أخريات رغم إنجابهن.
ما خرجت به من هذه التجربة القاسية، أن الله يهيئني لأكون أماً أكثر نضجا ووعيا، أماً تعرف قيمة الصبر وتدرك بعديه: العاطفي والإنساني. بتّ أتعلم أكثر عن الأطفال، وأهتم بجسدي ونفسي استعدادا لاستقبال القادم.
كنت فيما مضى أرى نصف الكأس الفارغ، أما اليوم فأنا أرى الجزء الممتلئ من التجربة؛ ذاك الذي جعلني أنضج، وأنظر للحياة بعينين أكثر صفاء، وأشعر بقدرة أكبر على احتضان الأمومة حين يحين وقتها.
أؤمن أن من لم يعش تجربة الفقد ذاتها، قد لا يستطيع استيعاب عمقها أو منح الدعم الحقيقي الذي يحتاجه القلب في تلك اللحظات. بالنسبة لي، كان زوجي وبعض الصديقات اللواتي مررن بالتجربة نفسها هم السند الأصدق. كلماتهم كانت أقرب لقلبي، لأنني أعرف أنهم يفهمون ما أشعر به حقًا. لهذا أرى أن مجموعات الدعم للأشخاص الذين عاشوا التجربة ذاتها مهمة جدًا، فالمشاركة المتبادلة تخفف من ثقل الألم، وتمنح الإنسان شعورًا بأنه ليس وحيدا في حزنه.
زوجي كان دعمي الأكبر. على الرغم من اختلاف طريقة كلٍّ منا في التعبير عن حزنه، إلا أننا كنا نتشارك في الفقد نفسه، ونتكئ على بعضنا البعض. ورغم طبيعته الهادئة التي لا تميل إلى التعبير الكثير، إلا أن هذه التجربة فتحت له مساحة ليشارك مشاعره معي، وهذا منحني طمأنينة بأن مشاعري حقيقية وليست مبالغًا فيها، لأنه يشاركني الحزن ذاته.
أيضا، لم أنسَ أثر الناس من حولي. رسائل الدعم التي وصلتني عبر وسائل التواصل الاجتماعي، سواء من أشخاص عاشوا التجربة أو لم يمروا بها، كان لها وقع كبير في نفسي. شعرت بصدق أنني لست وحدي، وأن مشاركتي للقصة منحت آخرين الإحساس نفسه: لسنا وحدنا.
بالتأكيد. المشاركة بحد ذاتها علاج. مجرد الإحساس بأنني لست وحدي في هذه الرحلة كان كافيا لتخفيف الكثير من الألم. الدراسات تؤكد ذلك أيضا، فالتعبير عن المشاعر أو مشاركة الأسرار يحرر الإنسان من ثقلها، ويجعل الحمل أخف عندما يُقتسم بين القلوب. المشاركة تقرّبنا من بعضنا، وتزرع بيننا مزيدا من التعاطف والرحمة.
أتذكر مثلا أنني كنت أتعرض لتعليقات قاسية حول وزني الذي ازداد بسبب العلاجات والإبر وعمليات التلقيح الصناعي. لكن بعد أن شاركت قصتي علنا، تغيّرت النظرة. الناس بدأوا يفهمون خلفية ما أمرّ به، وصارت التعليقات السلبية تختفي لتحل محلها مشاعر التفهم واللطف.
واليوم، بعد مرحلة الفقد، أصبحت أعتني أكثر بصحتي وألتزم بالرياضة والتغذية السليمة استعدادًا لاستقبال طفل جديد. والمفاجأة الجميلة أن المتابعين تحولوا إلى أكبر مشجع لي، يفرحون بتقدمي ويدعمون خطواتي، وهذا منحني قوة إضافية للاستمرار.

الوقت والصبر هما مفتاح التخفيف من هذا الألم. في البداية تبدو التجربة قاسية جدًا، لكن مع مرور الأيام يهدأ وقعها تدريجيًا. أنصح كل أم أن تدرك أن قوتها الحقيقية تنبع من داخلها، فهي وحدها القادرة على انتشال نفسها من هذه المرحلة بأقل الأضرار النفسية الممكنة، عبر الوعي وتثقيف الذات.
سلامتك النفسية هي الأساس، فإذا كانت روحك متزنة وصحيحة، يصبح التعامل مع كل ما حولك أهون. بالنسبة لي، ساعدتني متابعة البودكاست والبحث عن مصادر تثقيفية، حتى أنني استمعت لطبيبة نفسية شرحت تجربة الفقد بطريقة بصرية عميقة، جعلتني أفهم كيف يتداخل الألم مع تفاصيل الحياة، وكيف يمكن أن نعود إليها خطوة خطوة.
الوجع لا يختفي تماما، لكنه يتضاءل مع الوقت. لذلك أوصي كل أم بالتحلي بالصبر، والثقة بأن القدر يحمل في طياته حكمة، وأن هذه التجربة الصعبة قادرة على أن تخرج منها امرأة أقوى، أعمق، وأكثر إيمانا بنفسها وبحياتها.
الذي ساعدني أكثر كان الصبر والتوكل، والسعي لفهم الحكمة الكامنة وراء التجربة. أشعر بأن إيماني ازداد، وأني أصبحت أقرب إلى نفسي وإلى من حولي، وأكثر تقديرا لجهود ودعم الآخرين.
مثل أي تجربة ألم كبيرة، تكشف لك حقيقة الأشخاص الذين يحيطون بك، وتمنحك وعيا أعمق بقيمة ما تملكين: دفء البيت، واستقرار الحياة، وقوة الزوج السند، ووجود الأهل والأصدقاء، وحتى دعم الناس الذين شاركوا مشاعري من بعيد. كل هذه المعاني الصغيرة مجتمعة كانت سببا في أن أستعيد جزءا من سلامي الداخلي.
لا أعتقد أنه كافٍ أبدا، بل نحن بحاجة ماسّة إلى مساحة أوسع من التوعية والدعم، بل وحتى إلى وجود منظمات في كل دولة تُعنى بالأمهات والآباء الذين يمرون بتجربة فقدان الأطفال، تقدم لهم الدعم النفسي والإنساني الذي يحتاجونه.
في مجتمعاتنا ما زالت التجربة تُقابل أحيانا بالتسخيف أو العبارات الجاهزة مثل: "الله يعوّضك"، دون وعي بمدى الألم الذي يتركه الفقد، خصوصا لدى من يعانون أصلا من صعوبات في الإنجاب. هذا التجاهل يضاعف من معاناة الأهل، ويجعل الألم أكبر.
بالنسبة لي، كان تلقي الخبر أشبه بمواجهة مشاعر مجهولة؛ لأن الحديث عن هذه التجربة نادر، والوعي المجتمعي حولها ضعيف جدا. ولهذا أؤمن أنه من الضروري أن نستمر في فتح هذا الملف، وأن نمنح الأمهات والآباء مساحة آمنة للتعبير والمشاركة.
وأشعر بالامتنان لأن الله منحني القوة لأكون بمثابة شعاع نور لكثير من الأمهات اللواتي مررن بهذه المحنة، من خلال مشاركتي في لقاءات أو بودكاست أو مقالات، أحاول أن أنقل لهن ما عشته من مشاعر ومراحل، وأجيب عن الأسئلة التي قد تدور في أذهانهن. بالنسبة لي، هذه رسالتي ودوري في نشر الوعي والرحمة في هذا المجال.