الأمومة من أكثر التجارب التي يمكن أن تجعل المرأة تشعر بأنها مطالبة بإثبات نفسها باستمرار.
هل تطعم طفلها بطريقة صحيحة؟ هل تقضي معه وقتاً كافياً؟ هل تضع له الحدود المناسبة؟ هل تمنحه الحب من دون تدليل؟ وهل تعمل من دون أن تشعر بأنها قصّرت في حق عائلتها؟.
ومع كثرة النصائح والمقارنات والتوقعات، قد تتحول الأمومة تدريجياً من علاقة تنمو مع التجربة إلى شعور دائم بأن هناك من يراقب الأداء ويقيّمه.

تتعرض الأمهات اليوم لكمية هائلة من المعلومات المتعلقة بالتربية والصحة والتغذية والنوم والتعليم والسلوك. المشكلة ليست في المعرفة نفسها، وإنما في الاعتقاد بأن كل معلومة تمثل معياراً يجب الالتزام به.
ومع الوقت، قد تبدأ الأم في تقييم يومها وفق قائمة طويلة من المعايير: ماذا أطعمت طفلها، كم لعبت معه، كم استخدم الشاشات، وهل تصرفت بالشكل الصحيح عندما بكى أو غضب.
رؤية تجارب الأمهات الأخريات، خصوصاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قد تجعل الحياة العائلية تبدو وكأنها قابلة للمقارنة والقياس.
قد ترى الأم طفلاً ينام بسهولة، أو عائلة تنظم وقتها بدقة، أو أماً تبدو دائماً هادئة ومتفرغة لأطفالها، فتبدأ في مقارنة واقعها بصورة منتقاة من حياة الآخرين.
المشكلة أن المقارنة غالباً لا تكون بين واقعين كاملين، وإنما بين حياتها اليومية بكل تفاصيلها وبين الجزء الذي اختار الآخرون عرضه.
قد تبدأ الضغوط من أسئلة أو تعليقات المحيط: لماذا لا ينام طفلك مبكراً؟ لماذا يأكل هذه الأطعمة؟ لماذا تعملين كثيراً؟ لماذا لا تعملين؟.
ومع تكرار هذه الرسائل، قد لا تحتاج الأم إلى شخص ينتقدها فعلياً؛ إذ يصبح صوت التقييم موجوداً داخلها، فتراجع قراراتها باستمرار وتبحث عن الخطأ حتى في المواقف العادية.
تحمل الأم مسؤولية كبيرة تجاه طفلها، ولذلك قد يكون من السهل أن تفسر أي مشكلة على أنها نتيجة لتقصير منها.
إذا غضب الطفل، ربما تسأل نفسها إن كانت تعاملت معه بطريقة خاطئة. وإذا مرض، قد تفكر فيما كان يمكن أن تفعله بشكل مختلف. وإذا واجه صعوبة في المدرسة، قد تشعر بأنها لم تقدم له ما يكفي.
لكن وجود مشكلة لدى الطفل لا يعني تلقائياً أن الأم أخطأت، كما أن التربية الجيدة لا تعني القدرة على منع كل الصعوبات التي قد يمر بها الطفل.
لأن عمل الأم غالباً لا ينتهي بنتيجة واضحة يمكن الاحتفال بها. هناك دائماً وجبة أخرى، ومهمة أخرى، وسلوك يحتاج إلى متابعة، واحتياج عاطفي جديد.
لذلك قد تمر الأم بيوم كامل من الرعاية والعمل والاهتمام، ثم تنهيه وهي تفكر فقط في الأشياء التي لم تنجزها.
لا تحتاج الأم إلى أن تكون مثالية حتى تكون أماً جيدة. الأطفال لا يحتاجون إلى أم تتصرف بالطريقة الصحيحة في كل موقف، وإنما إلى علاقة آمنة يمكن أن تتضمن الخطأ والاعتذار والإصلاح والتعلم.
ومن المفيد أن تنتقل الأم من سؤال: «هل أؤدي دوري بشكل مثالي؟» إلى سؤال أكثر واقعية: «هل أستجيب لاحتياجات طفلي بشكل جيد بما يكفي، وأتعلم عندما لا تسير الأمور كما أريد؟.
من الطبيعي أن ترغب الأم في تقديم الأفضل لطفلها، لكن السعي المستمر إلى إثبات أنها أم جيدة قد يحرمها من عيش العلاقة نفسها.
الأمومة ليست اختباراً له إجابة نموذجية، ولا توجد نتيجة نهائية تؤكد أن الأم أدت مهمتها بالشكل الصحيح. هي علاقة تتغير مع عمر الطفل وظروف الأسرة، وفيها قرارات صائبة وأخرى تحتاج إلى مراجعة.
والأهم أن الأم التي تتوقف عن مطالبة نفسها بالكمال لا تتخلى عن مسؤوليتها، بل تمنح نفسها مساحة أكثر واقعية لتتعلم وتعتني بطفلها وبنفسها أيضاً.