تبدأ المقارنة أحياناً من موقف بسيط: أم تتحدث عن نوم طفلها، وأخرى عن درجاته، وثالثة عن الأنشطة التي يمارسها.
ومع كثرة ما نراه ونسمعه، قد تتحول تجارب الآخرين من أفكار يمكن الاستفادة منها إلى معيار نقيس به نجاحنا كأمهات.
المشكلة لا تكمن في أن نعرف ما يفعله الآخرون، بل عندما يصبح السؤال: هل طفلي أفضل من أطفالهم؟ وهل أنا أم أفضل منهم؟ فعندها تتحول التربية من علاقة تحتاج إلى فهم ومرونة إلى منافسة تستنزف الأم والطفل معاً.

قد تبدأ المقارنة بعمر المشي أو الكلام، ثم تنتقل إلى القراءة، واللغات، والرياضة، والدرجات، والمهارات الاجتماعية.
لكن الأطفال لا يتطورون بالطريقة نفسها، ولا يحتاج كل طفل إلى التجارب نفسها. ما يناسب طفلاً قد لا يكون مناسباً لطفل آخر، حتى لو كانا في العمر نفسه.
لذلك، فإن مقارنة النتائج من دون النظر إلى شخصية الطفل واحتياجاته وظروفه قد تجعل الأم تطارد أهدافاً لا يحتاج إليها طفلها أصلاً.
لم تعد المقارنة مقتصرة على دائرة الأصدقاء والعائلة. تستطيع الأم اليوم مشاهدة عشرات الأطفال يومياً وهم يتعلمون مهارات جديدة، ويشاركون في أنشطة مختلفة، ويحصلون على إنجازات تبدو مثالية أمام الكاميرا.
لكن ما يظهر على الشاشة ليس الحياة كاملة.
قد ترين طفلاً يقرأ في عمر مبكر، لكنك لا تعرفين مقدار التدريب الذي سبقه. وقد تشاهدين أماً تبدو منظمة طوال الوقت، من دون أن تعرفي ما يحدث خارج الصورة.
تحويل هذه اللقطات إلى معيار لحياتك اليومية قد يجعلك تشعرين بأنك متأخرة دائماً.
في بعض الأحيان، لا تعود المنافسة حول الطفل نفسه، بل حول الأم.
قد تشعر الأم بأن نجاح طفلها دليل على أنها تؤدي دورها جيداً، بينما يصبح أي تأخر أو تعثر وكأنه انعكاس لفشلها.
وهنا يصبح من الصعب عليها أن ترى الطفل كما هو، لأن كل سلوك منه قد يتحول إلى اختبار لها أمام الآخرين.
حتى لو لم تقولي لطفلك صراحة إنه يجب أن يتفوق على الآخرين، قد يلتقط الرسائل الموجودة في أسلوبك.
مع تكرار هذه المقارنات، قد يتعلم الطفل أن قيمته مرتبطة بأدائه، وأن عليه أن يثبت نفسه باستمرار.
وقد يصبح النجاح بالنسبة إليه وسيلة للحصول على رضاك، بدلاً من أن يكون نتيجة طبيعية للتعلم والفضول.
قد لا تظهر المنافسة على شكل تفاخر مباشر.
أحياناً تكون في عدد الأنشطة التي يلتحق بها الطفل، أو نوع المدرسة، أو الملابس، أو الرحلات، أو الأجهزة التي يمتلكها، أو حتى طريقة تنظيم يومه.
وقد تجد الأم نفسها تضيف نشاطاً جديداً لطفلها فقط لأن أطفال صديقاتها يقومون به، رغم أن جدول الطفل ممتلئ بالفعل.
هنا من المفيد التوقف وسؤال نفسك: هل يحتاج طفلي إلى هذا فعلاً، أم أشعر أنه يجب أن يحصل عليه حتى لا يبدو أقل من الآخرين؟
لا يوجد طفل يتفوق في كل شيء، ولا توجد أم تنجح في كل جوانب التربية.
قد يكون الطفل شديد التفوق في الدراسة لكنه يحتاج إلى مساعدة في الجانب الاجتماعي، بينما يكون طفل آخر أكثر هدوءاً أو إبداعاً أو استقلالية.
دور الأم ليس صناعة نسخة تنافس الآخرين، بل مساعدة طفلها على معرفة نقاط قوته، وتعلم ما يحتاج إليه، وتطوير مهاراته تدريجياً.
ابدئي بتحديد المعايير التي تهم عائلتك فعلاً.
بدلاً من سؤال: "ماذا يفعل الأطفال الآخرون؟"، اسألي: "ما الذي يحتاجه طفلي الآن؟"
إذا كان يحتاج إلى النوم أكثر، فقد تكون إضافة نشاط جديد آخر شيء يحتاج إليه. وإذا كان يواجه صعوبة في التواصل، فقد تكون مساعدته على التعبير عن مشاعره أهم من تعلم مهارة جديدة.
كلما أصبح لديك تصور واضح لما يحتاجه طفلك، أصبح من الأسهل تجاهل السباق المحيط بك.
يمكن أن تكون خبرات الأمهات الأخريات مفيدة جداً، لكن ليس من الضروري أن تتحول إلى تعليمات.
استفيدي من تجربة أم وجدت طريقة ناجحة لمساعدة طفلها على النوم، أو نشاط ساعد طفلها على اكتشاف اهتمام جديد. ثم اسألي إن كان ذلك مناسباً لطفلك أنت.
الاختلاف بين الأطفال ليس دليلاً على أن أحدهم متقدم والآخر متأخر في كل شيء.
من السهل أن ننسى أن الطفل لا يعيش طفولته حتى يثبت شيئاً للآخرين.
يحتاج إلى اللعب، والراحة، والملل، والتجربة والخطأ، والعلاقات، والوقت مع عائلته، وليس فقط إلى قائمة طويلة من المهارات والإنجازات.
وقد يكون منح الطفل هذه المساحة قراراً تربوياً أفضل من إضافة نشاط جديد فقط لأن الآخرين يفعلونه.
التربية ليست مسابقة، ونجاح طفل آخر لا يعني أنك تأخرتِ، كما أن تقدم طفلك لا يجعلك أمّاً أفضل من غيرك.
عندما تتوقفين عن مقارنة طفلك بغيره، يصبح من الأسهل أن تري احتياجاته الحقيقية، وأن تتخذي قرارات تربوية تناسبه هو، لا الصورة التي تريدين أن يراك الآخرون عليها.
أفضل معيار لطفلك ليس طفل الجيران أو ابن صديقتك، بل الطفل الذي كان عليه بالأمس وما يحتاج إليه اليوم.