في عالم كرة القدم، لا يصنع النجاح الموهبة وحدها، بل تصنعه أيضًا القدرة على تجاوز المحن. وهذا ما يجسد قصة إسماعيل صيباري، اللاعب المغربي الذي تحول من طفل واجه تحديات صحية صعبة إلى أحد أبرز نجوم كأس العالم 2026، قبل أن يحصد ثمرة سنوات من العمل باكراً بانتقاله إلى بايرن ميونخ. وخلال سنوات قليلة فقط، نجح صيباري في فرض نفسه لاعبًا من الطراز الرفيع، ليصبح أحد أهم الأسماء الصاعدة في الكرة الأوروبية وأحد أبرز نجوم المنتخب المغربي.

ولد إسماعيل صيباري في 28 يناير/كانون الثاني 2001 بمدينة تيراسا الإسبانية لعائلة مغربية تنحدر من مدينة القصر الكبير، قبل أن تنتقل أسرته إلى بلجيكا وهو في سن مبكرة، حيث بدأ أولى خطواته في عالم كرة القدم.
تنقل بين عدة أكاديميات كروية في بلجيكا، أبرزها أندرلخت وجينك، قبل أن يقرر في العام 2020 خوض تجربة جديدة مع نادي PSV آيندهوفن الهولندي، وهي الخطوة التي غيرت مسيرته بالكامل.
في البداية لعب مع الفريق الرديف، لكن موهبته الكبيرة دفعت الجهاز الفني لمنحه الفرصة مع الفريق الأول، ليتحول تدريجيًا إلى أحد أبرز لاعبي الدوري الهولندي بفضل قدراته الهجومية ومهاراته في صناعة اللعب والتسجيل.
وراء ابتسامة صيباري الحالية قصة معاناة لا يعرفها كثيرون.
فقد ولد اللاعب المغربي بتشوه خلقي في القدمين والساقين، إذ كانت قدماه مائلتين إلى الداخل بصورة كبيرة، وهو ما جعل الأطباء يتخوفون من قدرته على المشي بصورة طبيعية مستقبلًا.
خضع الطفل الصغير لبرنامج علاجي طويل تضمن جلسات علاج وتأهيل مستمرة، كما احتاج إلى متابعة طبية لسنوات حتى يتمكن من ممارسة حياته بشكل طبيعي.
ورغم تلك الصعوبات، لم يتخل صيباري عن حلمه في أن يصبح لاعب كرة قدم محترفًا، بل كان يقضي ساعات طويلة في التدريب لتعويض ما فاته بدنيًا، حتى تحول ما كان يعده الأطباء عائقًا إلى قصة نجاح ملهمة يتحدث عنها كثير من متابعي كرة القدم.
شكل انتقال إسماعيل صيباري إلى هولندا نقطة التحول الحقيقية في مسيرته.
وخلال سنوات قليلة، تطور مستواه بصورة لافتة، ليصبح أحد أهم عناصر الفريق الهجومية، بفضل قدرته على اللعب في أكثر من مركز، سواء خلف المهاجم أو كجناح أو حتى كمهاجم متقدم.
وساهم اللاعب المغربي في تتويج PSV بثلاثة ألقاب متتالية في الدوري الهولندي، إضافة إلى بطولات الكأس والسوبر، كما قدم مستويات مميزة في دوري أبطال أوروبا، الأمر الذي وضعه تحت أنظار كبار الأندية الأوروبية.

قبل انتقاله إلى ألمانيا، سجل إسماعيل صيباري:
هذه الأرقام جعلت اللاعب المغربي واحدًا من أكثر لاعبي أوروبا طلبًا في سوق الانتقالات.
اختار صيباري تمثيل منتخب المغرب رغم امتلاكه إمكانية اللعب لإسبانيا أو بلجيكا، ليصبح سريعًا أحد أهم لاعبي "أسود الأطلس".
تميز بسرعته الكبيرة وقدرته على الاحتفاظ بالكرة، إضافة إلى قوته البدنية ومهاراته الفردية، ما جعله قطعة أساسية في تشكيلة المنتخب المغربي.

دخل إسماعيل صيباري بطولة كأس العالم دون ضجيج إعلامي كبير، لكنه سرعان ما تحول إلى أحد أبرز نجوم البطولة.
وسجل أهدافًا حاسمة أمام اسكتلندا وهايتي، كما نجح في تسجيل ركلة الترجيح الأخيرة أمام هولندا في دور الـ32، ليقود المغرب إلى التأهل ويؤكد مكانته كأحد أهم نجوم المنتخب.
ولم يقتصر تأثيره على تسجيل الأهداف، بل كان من أكثر اللاعبين صناعة للفرص والضغط على دفاعات المنافسين، وهو ما دفع العديد من المحللين إلى اعتباره أحد أفضل لاعبي البطولة حتى الآن.
لم يكن انتقال إسماعيل صيباري إلى بايرن ميونخ وليد تألقه في كأس العالم فقط، بل جاء بعد متابعة طويلة من إدارة النادي الألماني.
وأعجب مسؤولو بايرن بقدرات اللاعب على اللعب في أكثر من مركز هجومي، إضافة إلى شخصيته القوية وقدرته على الحسم في المباريات الكبرى.
وأعلن النادي البافاري تعاقده مع الدولي المغربي بعقد يمتد حتى صيف 2031، فيما قدرت وسائل إعلام قيمة الصفقة بنحو 55 مليون يورو، ليصبح أحد أغلى اللاعبين المغاربة في التاريخ.
عقب إعلان الصفقة، عبر اللاعب المغربي عن سعادته الكبيرة، مؤكدًا أن اللعب بقميص بايرن ميونخ كان حلمًا يراوده منذ الطفولة.
كما أشار إلى أن مشروع النادي وطريقة لعب المدرب فينسنت كومباني كانا من أهم الأسباب التي دفعته للموافقة على الانتقال، مؤكدًا أنه يطمح إلى الفوز بدوري أبطال أوروبا والألقاب المحلية مع العملاق الألماني.
يدخل إسماعيل صيباري المرحلة الأهم في مسيرته الكروية، إذ ستكون المنافسة داخل بايرن ميونخ مختلفة تمامًا عن جميع محطاته السابقة.
وسيكون مطالبًا بإثبات نفسه وسط كوكبة من نجوم الكرة العالمية، إلا أن ما قدمه خلال السنوات الأخيرة، سواء مع PSV أو منتخب المغرب، يؤكد امتلاكه المقومات اللازمة للنجاح على أعلى المستويات.
وبالنسبة للجماهير المغربية، يمثل انتقاله إلى بايرن ميونخ إنجازًا جديدًا لكرة القدم المغربية، ويعزز حضور اللاعبين المغاربة في أكبر الأندية الأوروبية، مع طموحات بمواصلة كتابة فصل جديد من قصة بدأت بمعاناة صحية وانتهت، حتى الآن، بالوصول إلى أحد أعظم أندية العالم.