
تخوض الفنانة اللبنانية زينة مكي تجربة جديدة بعيداً عن التمثيل، من خلال كتابها الجديد "الثقب الأسود"، الذي تقدم فيه جانباً مختلفاً من شخصيتها، وتستعيد عبر صفحاته مجموعة من المحطات والتجارب التي أسهمت في تشكيلها على المستوى الإنساني والفني.
وخلال حوار خاص مع "فوشيا"، تحدثت زينة مكي عن علاقتها بالكتابة واللغة العربية منذ طفولتها، وكشفت عن الدور الذي لعبه والدها، الصحفي والكاتب، في تشجيعها على خوض هذه التجربة، كما شرحت دلالة عنوان الكتاب، وأصعب الفصول التي كتبتها، والفصل الأقرب إلى قلبها.
كما استرجعت ذكرياتها مع فرسها الراحلة "لونا"، التي وصفتها بأنها "توأم روحها"، وتحدثت عن علاقتها بالفروسية، إلى جانب تفاصيل احتفالها بعيد ميلادها الخامس والثلاثين في تركيا، وردود فعل الجمهور على كتابها خلال حفل إطلاقه وتوقيعه في معرض أبوظبي للكتاب.
أولاً، أشكركم كثيراً على هذا الاستقبال الجميل، وأنا سعيدة جداً بوجودي معكم اليوم. منذ أن كنت صغيرة وأنا أحب الكتابة، وكنت أستخدمها للتعبير عن نفسي، حتى إنني كنت أكتب رسائل إلى والدتي ووالدي عندما أريد أن أطلب منهما شيئاً.
كما درست الإخراج وكتابة السيناريو، لذلك أحببت دائماً كتابة القصص. أما فكرة الكتاب فأخذتها بجدية بسبب والدي، فهو صحفي وكاتب، وكان يعرف أن لدي موهبة في الكتابة، لكنه رأى أن التمثيل والعمل أخذا مني الكثير، فشجعني على الكتابة بشكل جدي، وقال لي إنه لا يريدني أن أفقد علاقتي باللغة العربية الفصحى.
منذ طفولتي وأنا أحب الكتب والقراءة. بالنسبة إليّ، هناك شعور جميل جداً في أن تمسك الكتاب بيدك وتقلب صفحاته، وحتى عندما أقرأ الروايات أكتب ملاحظات وأضع علامات وقلوباً على الصفحات التي تلمسني.
أحب أيضاً أجواء المكتبات ورائحة الكتب والورق. أما اللغة العربية، فهي كانت شيئاً أساسياً في بيتنا، ووالدي صحفي وكاتب، لذلك أعتقد أنني ربما ورثت هذا الحب منه، أو كما نقول "الجينات".
الثقب الأسود بالنسبة إليّ يحمل معنى علمياً وشخصياً في الوقت نفسه. أنا أحب الفضاء وعلم الفلك، وفكرة الثقب الأسود تجعلني أتأمل دائماً في حجم الإنسان أمام هذا الكون، وفي أننا مهما اعتقدنا أننا نعرف، فنحن في الحقيقة لا نعرف الكثير.
أما في حياتي، فالثقب الأسود هو بوابة بين زينة السابقة وزينة الحالية. هو مرحلة انتقال واكتشاف وبصيرة، وكأنني دخلت من خلاله إلى عالم جديد واكتشفت فيه من أنا فعلاً.
كتبت الكتاب على مدار عامين، ولم أكن أكتب فقط، بل كنت أصور وأسافر وأعمل، ثم أعود وأناقش أفكاري مع والدي. هو كان المشرف اللغوي على الكتاب، وكل شيء مر عليه، وخصوصاً أن لديه خبرة كبيرة في الصحافة والكتابة.
كنا نجلس بالساعات ونتناقش في الأفكار، وأحياناً نختلف ونأخذ ونعطي معاً. كما أن الفصول لم تُكتب بالترتيب الذي تظهر به في الكتاب، وكل فصل أخذ وقته الخاص، حتى اكتملت القصة ووصلت إلى شكلها النهائي.
أصعب مرحلة كانت عندما كتبت عن وفاة عمي، وكذلك عندما تحدثت عن رحيلي عن الكويت وابتعادي عن أهلي وأنا صغيرة.
هناك قصص نعيشها ونحن أطفال ولا نفهمها وقتها، لكن عندما نكبر نراها من منظور مختلف. عندما كبرت فهمت أشياء كثيرة لم أكن أفهمها وأنا صغيرة، ومنها مشاعر أهلي تجاه قراري بالرحيل. بكيت وأنا أكتب هذه الأجزاء، لأنك تضطر إلى استرجاع ذكريات قديمة ولكن بعين زينة الحالية.
ووفاة عمي تحديداً كانت من الأسباب التي دفعتني إلى كتابة الكتاب من الأساس.
الفصل الأخير هو الأقرب إلى قلبي. كنت وقتها في إسطنبول أصور مسلسل "آسر"، وعشت فترة طويلة بعيداً عن أهلي وأصدقائي وفي بلد لا أعرف فيه أحداً.
في البداية كان الأمر صعباً، لكنني اكتشفت نفسي بشكل أكبر، وشعرت أنني بعد 35 عاماً بدأت أتعرف إلى زينة الحقيقية. لذلك أحب هذا الفصل، لأنه يحمل رحلة كاملة من المشاعر والاكتشاف.
كنت في تركيا، لكنني قررت أن أعود إلى بيروت لرؤية "لونا" قبل عيد ميلادي. اشتريت كعكة صغيرة ووضعت عليها الرقم 35، واحتفلت بنفسي وسط الطبيعة.
ثم عدت إلى تركيا، وفوجئت بأن فريق العمل أعطاني يوم إجازة. وفي اليوم التالي طلبت لنفسي باقة من زهور دوار الشمس، وعندما وصلتني شعرت وكأنها رسالة من زينة المستقبل إلى زينة الحالية، تقول لها إن هناك مستقبلاً جميلاً ينتظرها.
كما احتفل بي زملائي في مسلسل "آسر"، وحتى خلال العرض الخاص للمسلسل في دبي احتفلوا بي. كنت أعتقد أنني سأكون وحيدة، لكنني عشت أجمل أسبوع عيد ميلاد، وشعرت بحب الناس من حولي، وبالحب الذي أستطيع أن أمنحه لنفسي.
وضعت في الكتاب الأشياء المؤثرة فعلاً، والفصول التي ساهمت في تكوين شخصيتي. هناك أحداث مرت في حياتي، لكنها لم تؤثر في زينة التي أنا عليها اليوم، لذلك لم أرَ أنها تستحق أن تكون جزءاً من الكتاب.
الحديد الموجود في ظهري شكّل تقريباً 80% من شخصيتي الحالية. أحياناً أنسى أن لدي حديداً في ظهري، لكن الألم يذكرني بأن هناك شيئاً ما زال موجوداً.
أشعر أنني لولا هذه التجربة لما كنت بهذه القوة وهذا الاندفاع، وربما كنت سأكون شخصية مختلفة. لذلك هي جزء كبير من زينة، ومن قصتي، ومن الكتاب أيضاً.
لم أبدأ الكتابة وأنا أملك رسالة محددة. في البداية كنت أكتب مشاعري وأخرج أشياء بداخلي.
لكن مع الوقت، وبعد أن قرأت الكتاب أكثر من مرة أنا ووالدي، بدأنا نراجع ونحذف ونضيف حتى أصبح هناك كتاب يمكن أن يقرأه الناس ويشعروا به، وليس مجرد مجموعة من الذكريات.
كنت أيضاً بحاجة إلى تخليد أشخاص رحلوا من حياتي وكان لهم تأثير كبير في تكويني، وعلى رأسهم عمي. بالنسبة إليّ، لا يمكن أن يرحل شخص ترك أثراً كبيراً في حياتي من دون أن أذكره بطريقة ما.
وأتمنى أن يرى الناس من خلال الكتاب أن الإنسان يستطيع، مهما كان الألم الذي يمر به، أن يحوله إلى شيء جميل ومفيد.
منذ أن كنت صغيرة وأنا أحب الخيل. أشعر أن هناك علاقة غريبة وعميقة تجمعني به، لأنه يعبر عن أشياء كثيرة أحبها؛ الحرية والقوة والشموخ.
توقفت عن الفروسية نحو 17 عاماً، لكن عندما رأيت أبناء أختي يتدربون في النادي نفسه الذي كنت أتدرب فيه، شعرت بالغيرة وقلت لنفسي: مكاني داخل المضمار وليس خارجه.
قررت أن أعود وأتحدى نفسي، ثم اشتريت "لونا"، ومنذ ذلك الوقت أصبحت علاقتي بالخيل جزءاً أساسياً من حياتي.
عندما قررت شراء فرس، أرسلوا لي صوراً وفيديوهات لخيول كثيرة، لكن أول فيديو لـ"لونا" خطف قلبي. حتى لونها لم يكن اللون الذي كنت أفضله، لكنني شعرت فوراً بأنها لي.
أنهيت الأوراق في اليوم نفسه، رغم أن لديها إصابة في كتفها. بالنسبة إليّ لم يكن الأمر مجرد شراء فرس، شعرت أنني وجدت نفسي بعد أن كنت أبحث عنها.
كنت أسافر من تركيا إلى لبنان كلما استطعت حتى أراها. شخصيتها كانت تشبهني جداً؛ هادئة في بعض الأوقات، ومجنونة وجامحة في أوقات أخرى.
نعم، كتبت كلمات أغنية عنها. كنت في إسطنبول وأفتقدها، فجاءتني الكلمات كأنها تتحدث عن علاقتنا.
كنت أراها مثل القمر، وأنا على الأرض، وشعرت أنها الروح التي كانت ناقصة في حياتي. قد لا يفهم البعض عمق علاقة الإنسان بالخيل، لكن من يعيش هذه العلاقة يعرف أنها تتجاوز فكرة أن هذا مجرد حيوان.
رحيل "لونا" لم ينهِ علاقتي بالفروسية. كان حلم طفولتي أن أصبح فارسة، واليوم أستطيع أن أقول بفخر إنني فارسة، وأتمنى أن أخوض أولى بطولاتي قريباً.
كان الأمر أكثر من رائع. في البداية كنت أتساءل: هل الناس متحمسون لرؤيتي فقط، أم سيأتون فعلاً لشراء الكتاب وقراءته؟
لكنني فوجئت بأعداد كبيرة من الناس الذين حضروا خصيصاً لشراء الكتاب، وهذا الأمر كان مؤثراً جداً بالنسبة إليّ، خصوصاً في عصر السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي.
وأكثر ما أسعدني أن أرى والدي فخوراً بي وبالكتاب. شعرت في تلك اللحظة بأنني أكملت جزءاً من مسيرته، وأنني ابنته التي تعلمت منه الحرف والكتابة.
قال لي: فخور بك يا ابنتي.. أحبك يا عمري.
بعد أن قرأت الكتاب مرة أخرى بعد فترة من الانتهاء منه، شعرت أنني لا أريد أن أتوقف عن الكتابة. بالتأكيد لن يكون "الثقب الأسود" كتابي الوحيد.
لدي الكثير من القصص، لكنني لا أفكر في أن يكون الكتاب المقبل سيرة ذاتية عن زينة. أفكر في كتابة رواية أو قصة خيالية مستوحاة من أحداث غريبة عشتها، لكن بشخصيات وأحداث مختلفة.
وصلتني رسائل كثيرة جداً، وأكثر ما أثر فيّ كان رؤية أشخاص يبكون أثناء حديثي عن تجربتي.
بعد حفل التوقيع قدمت محاضرة تحدثت فيها عن الألم والأمل، وكنت أريد أن يشعر الناس بأنهم جزء من التجربة، لأننا في النهاية جميعاً نشبه بعضنا بعضاً في أشياء كثيرة.
أكثر جملة تؤثر فيّ عندما يقول لي شخص: أنتِ ألهمتِني أو أنتِ ملهمة. هذه بالنسبة إليّ أجمل من أن يقول لي أحد إنني جميلة أو ممثلة جيدة، لأنني أشعر وقتها أن ما قلته وصل فعلاً إلى شخص آخر وترك أثراً فيه.