لم تبدأ قصة المرأة الإماراتية في مواقع القيادة من مقعد وزاري أو منصب إداري، بل سبقتها خطوات بدأت من التعليم، ثم العمل، والمشاركة في مؤسسات الدولة، وصولاً إلى مواقع صنع القرار والعلوم والقضاء والفضاء.
وخلال عقود قليلة، انتقلت مشاركة المرأة الإماراتية من مرحلة إتاحة الفرص التعليمية والمهنية إلى مرحلة الحضور المؤثر في قطاعات الدولة المختلفة، مدعومة بسياسات ومؤسسات وطنية جعلت تمكين المرأة جزءاً من مسار التنمية في الإمارات.
وتضع السياسة الوطنية لتمكين المرأة الإماراتية 2023-2031 هدف مشاركة المرأة في مختلف المجالات وتعزيز جودة حياتها ضمن أولوياتها.

كان التعليم من أهم المحطات التي غيرت موقع المرأة الإماراتية في المجتمع.
وتظهر البيانات الرسمية حجم هذا التحول بوضوح؛ ففي العام الدراسي 2016/2017 شكّلت الإناث 59% من إجمالي طلبة مؤسسات التعليم العالي، مقابل 41% للذكور، فيما بلغ عدد الطالبات 81,183 طالبة. كما بلغت نسبة الإناث في برامج التعليم العالي 74% في الجامعات الحكومية و52% في الجامعات والمعاهد الخاصة.
واللافت أن التفوق العددي للطالبات في التعليم لم يكن ظاهرة حديثة؛ فقد أظهرت بيانات مركز الإحصاء في أبوظبي أن أعداد الطالبات في المدارس الحكومية تجاوزت أعداد الطلاب منذ العام الدراسي 1990/1991، فيما وصلت نسبة القراءة والكتابة بين الإماراتيات في الفئة العمرية 15 إلى 24 عاماً إلى 99.6% في 2013.
وهكذا أصبح التعليم أكثر من وسيلة للحصول على شهادة؛ كان مدخلاً إلى سوق العمل والتخصص والقيادة.
مع توسع فرص التعليم، اتسع حضور المرأة الإماراتية في سوق العمل، خصوصاً في القطاع الحكومي.
وأشارت بيانات رسمية إماراتية إلى أن المرأة كانت تشكل 66% من القوى العاملة في القطاع الحكومي، مع حضور في قطاعات متعددة مثل التعليم والصحة والمصارف.
وفي بيانات أخرى أوردتها وكالة أنباء الإمارات، بلغت حصة المرأة من الوظائف القيادية والإشرافية 46%، ومن الوظائف في التعليم 69%، وفي القطاع الصحي 72%، كما بلغت نسبة حضورها في السلك الدبلوماسي 34%.
هذه الأرقام تكشف تحولاً مهماً: لم تعد مشاركة المرأة مرتبطة بالحصول على التعليم فقط، بل أصبحت جزءاً من القطاعات التي تقوم عليها التنمية نفسها.
كان عام 1975 محطة أساسية في هذه الرحلة، مع تأسيس الاتحاد النسائي العام برئاسة الشيخة فاطمة بنت مبارك.
ومنذ ذلك الوقت، لعب الاتحاد دوراً في دعم مشاركة المرأة وتأهيلها وفتح مجالات أوسع أمامها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
وتواصل هذا المسار لاحقاً عبر استراتيجيات وطنية متخصصة، من بينها الاستراتيجية الوطنية لتمكين وريادة المرأة 2015-2021، التي هدفت إلى تعزيز مشاركة المرأة في مختلف المجالات.
كما أُنشئ مجلس الإمارات للتوازن بين الجنسين عام 2015، بهدف تقليص الفجوة بين الجنسين وتعزيز التوازن في مواقع صنع القرار.
أحد أوضح التحولات في مسيرة المرأة الإماراتية كان وصولها إلى مواقع القيادة السياسية.
ففي عام 2004 أصبحت الشيخة لبنى بنت خالد القاسمي أول امرأة إماراتية تتولى حقيبة وزارية، عندما عُينت وزيرة للاقتصاد والتخطيط. وتولت لاحقاً حقائب وزارية أخرى.
ثم جاءت محطة أخرى لافتة عام 2015، عندما انتُخبت الدكتورة أمل القبيسي رئيسة للمجلس الوطني الاتحادي، لتصبح أول امرأة في العالم العربي تترأس برلمان بلادها، وفق وكالة أنباء الإمارات.
ولم يتوقف الحضور السياسي عند هذه النماذج؛ فمنذ الدورة الانتخابية لعام 2019 رُفعت نسبة تمثيل المرأة في المجلس الوطني الاتحادي إلى 50%.
وهنا تحولت المشاركة من مجرد وجود في المؤسسات إلى حضور مؤثر في عملية صنع القرار.
القضاء والدبلوماسية.. مجالات كانت بعيدة عن الصورة التقليدية
امتد حضور المرأة الإماراتية إلى القضاء والدبلوماسية.
ومن الأمثلة البارزة خلود الظاهري، التي أصبحت أول قاضية في تاريخ دولة الإمارات عام 2008، بحسب وكالة أنباء الإمارات.
وفي السلك الدبلوماسي، أصبحت الإماراتيات سفيرات وممثلات للدولة في الخارج، فيما تشير بيانات رسمية سابقة إلى وجود 234 إماراتية في السلك الدبلوماسي والقنصلي في مقر الوزارة، و42 إماراتية في البعثات الخارجية حتى عام 2019.
ربما لا توجد صورة أكثر وضوحاً للتحول الذي شهدته مسيرة المرأة الإماراتية من حضورها في قطاع الفضاء.
كانت سارة الأميري من أبرز الوجوه الإماراتية في هذا المجال، إذ قادت الفريق العلمي لمشروع مسبار الأمل لاستكشاف المريخ، وهو المشروع الذي وضع الإمارات في واحدة من أكثر المجالات العلمية تقدماً.
كما أصبحت نورة المطروشي أول رائدة فضاء عربية إماراتية، بعد اختيارها ضمن برنامج الإمارات لرواد الفضاء من بين أكثر من 4000 متقدم.
وفي مشروع الإمارات لاستكشاف المريخ، بلغت نسبة مشاركة المرأة الإماراتية في الفريق القيادي 50%، فيما أشارت بيانات إماراتية إلى أن النساء شكلن 34% من المهندسين والعلماء العاملين على مسبار الأمل.
هذه ليست مجرد أرقام عن تمثيل المرأة؛ إنها صورة مختلفة تماماً عن المسارات المهنية التي أصبحت متاحة أمام الأجيال الجديدة.
يمكن النظر إلى هذه المسيرة باعتبارها سلسلة متصلة: التعليم فتح الباب، والعمل وسّع المشاركة، والمؤسسات دعمت الحضور، ثم جاءت القيادة لتصبح المرأة شريكاً في صناعة القرار والاقتصاد والمعرفة.
واليوم، لا تقتصر قصة المرأة الإماراتية على الوصول إلى منصب معين، بل تمتد إلى قدرتها على اختيار المجال الذي تريد أن تترك فيه أثرها، سواء كان في الإدارة أو الاقتصاد أو العلوم أو القضاء أو السياسة أو الفضاء.
وهذا التحول هو بالضبط ما يجعل الاحتفاء بالمرأة الإماراتية في يومها مناسبة للنظر إلى ما تحقق، وإلى المساحة التي أصبحت متاحة أمام الأجيال الجديدة لتبني عليها نجاحاتها الخاصة.