كثير من الناس يعتقدون أن القدرة على التحكم بالمشاعر صفة ثابتة؛ إما أن يمتلكها الإنسان بطبيعته أو يفتقدها تمامًا.
لذلك نسمع عبارات مثل: “هذه عصبية منذ طفولتها” أو “هو هادئ بطبعه”. لكن ما توضحه الدراسات النفسية الحديثة أن التنظيم الانفعالي ليس سمة فطرية بالكامل، بل مهارة يمكن تعلّمها وتطويرها مع الوقت.
فالإنسان لا يولد وهو يعرف كيف يتعامل مع الغضب، أو يهدئ قلقه، أو يستوعب مشاعره بطريقة صحية.
هذه القدرة تتشكل تدريجيًا من خلال التجارب، والبيئة، وطريقة التعامل مع المشاعر منذ الطفولة.

التنظيم الانفعالي لا يعني كبت المشاعر أو تجاهلها، بل القدرة على فهم ما نشعر به والتعامل معه بطريقة لا تؤذينا ولا تؤذي الآخرين.
أي أن يشعر الإنسان بالغضب من دون أن يتحول إلى اندفاع مؤذٍ، أو يمر بالحزن من دون أن يفقد قدرته على الاستمرار في حياته اليومية.
المشكلة ليست في وجود المشاعر، بل في الطريقة التي تُدار بها.
يتعلم الطفل التنظيم الانفعالي تدريجيًا من البيئة المحيطة به.
فعندما يجد من يساعده على فهم مشاعره وتهدئتها، يبدأ عقله ببناء طرق صحية للتعامل مع التوتر والانفعال.
أما إذا نشأ في بيئة تقوم على:
فقد يكبر وهو يفتقد أدوات التعامل الصحي مع انفعالاته.
ولهذا، فإن كثيرًا من ردود الفعل التي تظهر في مرحلة البلوغ لا تكون “طبعًا ثابتًا”، بل أنماطًا تعلّمها الإنسان مع الوقت.
هناك عوامل عديدة تؤثر على القدرة على التنظيم الانفعالي، منها:
في هذه الحالات، يصبح التحكم بالمشاعر أكثر صعوبة، ليس بسبب ضعف الشخصية، بل لأن الجهاز النفسي يكون في حالة استنزاف مستمر.
من المفاهيم الخاطئة أن الشخص المنظم انفعاليًا لا يغضب أو لا يتأثر.
في الواقع، الفرق ليس في غياب المشاعر، بل في طريقة الاستجابة لها.
فالشخص الناضج انفعاليًا قد يشعر بالغضب أو التوتر، لكنه:
البداية تكون بالوعي، أي ملاحظة المشاعر بدل مقاومتها فورًا.
ويمكن أن يساعد أيضًا:
التغيير هنا لا يحدث بسرعة، لكنه يتطور بالتدريج مع التكرار.
التنظيم الانفعالي ليس موهبة يولد بها بعض الناس ويحرم منها آخرون، بل مهارة نفسية يمكن بناؤها مع الوقت.
وكلما فهم الإنسان مشاعره بشكل أعمق، وتعلم التعامل معها بدل مقاومتها أو الانفجار بها، أصبحت علاقته بنفسه وبالآخرين أكثر استقرارًا وهدوءًا.