هل شعرت يوما برغبة عارمة في إنجاز كل شيء بمفردك، ووجدت نفسك ترفضين المساعدة حتى وإن كنت في أشد الحاجة إليها؟ هذا ما يسمى بالاستقلالية المفرطة، التي تبدو للوهلة الأولى ميزة وقوة خارقة، لكنها في كثير من الأحيان ليست مجرد صفة شخصية، بل هي درع صنع بعناية لحمايتك من خيبات أمل قديمة.
والحقيقة التي قد تبدو صادمة للعديد من النساء وهي أن الاعتماد المطلق على الذات والخوف الشديد من الاتكال على الآخرين قد يكونان رد فعل لصدمة أو خذلان قديم لم يتم التعافي منه بعد.

الاستقلالية المفرطة هي حالة نفسية تدفعك إلى تبني شعور الاعتماد المفرط على الذات، بحيث تشعرين بالتهديد أو الضعف بمجرد التفكير في طلب العون، وتعتبرين حاجة الآخرين إليك مقبولة، في حين أن حاجتك إليهم ضعف لا يغتفر.
أما الاستقلالية المتوازنة فأمر صحي ومطلوب، وهي القدرة على إدارة حياتك والاعتماد على نفسك مع ترحيبك بالدعم عند الحاجة.
غالبا ما تقابل المرأة القوية والمستقلة بالمديح، لذا من السهل إخفاء هذا الاضطراب خلف مسمى المرأة العصامية الناجحة. لكن خلف هذا القناع الخارجي، يكمن إرهاق مزمن، لأن محاولة حمل أعباء الحياة بأكملها منفردة هي مهمة مستحيلة ومستنزفة لطاقتك النفسية والجسدية.
ففي علم النفس، يرتبط مفهوم الاستقلالية المفرطة بنمط الارتباط والتجارب المبكرة في الحياة. إليك كيف تتشكل هذه الجدران بحسب psychcentral:
إذا نشأت في بيئة كان عليكِ فيها رعاية نفسك مبكرا بسبب غياب مقدمي الرعاية عاطفيا أو جسديا، أو إذا مررت بعلاقة عاطفية تعرضت فيها لخذلان شديد بعد أن وضعت ثقتك كاملة بالطرف الآخر، يترجم عقلك الباطن هذا الموقف إلى قناعة أن الاعتماد على الآخرين خطر، ولن يحميني أحد غير نفسي.
يبدأ عقلك في حمايتك عبر استباق الأحداث، وحين ترفضين الارتباط الوثيق بالآخرين أو ترفضين مساعدتهم، أنت في الواقع تحمين نفسك من احتمالية الرفض أو الهجر المستقبلي.
إذا كنت تتساءلين ما إذا كان استقلالك صحيا أم مفرطا، تأملي هذه السلوكيات:
حتى في أصعب الأوقات مثل المرض أو ضغوط العمل الشديدة، تجدين كلمة ساعدني ثقيلة جدا على لسانك.
يسعى الجميع لاستشارتك والاتكال عليك، لكنك لا تشاركين همومك مع أحد، وتفضّلين الانغلاق على مشاكلك.
عندما يعرض عليك شخص ما المساعدة بصدق، يتبادر إلى ذهنك فورا سؤال ماذا يريد المقابل؟ أو "ما مصلحته؟".
قد تشعرين بالاختناق أو بالتهديد بفقدان الذات عندما تقترب العلاقات العاطفية أو الصداقات إلى مستوى عميق من التشارك اليومي.
الشفاء من الاستقلالية المفرطة لا يعني التحول إلى شخصية اتكالية أو ضعيفة، بل يعني الوصول إلى الاعتماد المتبادل، تعرّفي كيف:
لا تنتظري أزمة كبرى لتطلبي المساعدة. ابدئي بطلب مهام بسيطة في العمل أو المنزل، مثل: هل يمكنك إحضار هذا الغرض لي في طريقك.
عندما ترفضين المساعدة، اسألي نفسك بصدق: هل أنا فعلا لا أحتاج المساعدة، أم أنني خائفة من الخذلان.
الاستقلالية المفرطة هي محاولة لحماية ذاتكِ من العالم الخارجي، لكن العناية الحقيقية بالنفس تبدأ من مصالحة الداخل وتفكيك تلك الجدران ببطء. اسمحي لنفسكِ بأن تكوني إنساناً طبيعياً يتعب، ويحتاج، ويشارك.
وعندما تمنحين الآخرين فرصة لدعمكِ، لن تتنازلي عن قوتكِ، بل ستضاعفينها بوجود شبكة حب حقيقية تحيط بكِ وتدعم خطواتك في الحياة.
في النهاية، تذكّري أن القوة الحقيقية لا تكمن في حمل أعباء الحياة بمفردك، بل في شجاعة مشاركتها مع من تحبين، فالسماح للآخرين بدعمكِ هو أولى خطوات التشافي والراحة.