قد تضطر بعض الأمهات إلى الابتعاد عن أطفالهن الرضع لبضعة أيام بسبب السفر أو العمل أو ظرف صحي، ويكون السؤال الذي يرافق هذا الغياب غالبًا: هل سينساني طفلي؟
وقد يزداد هذا القلق إذا بدا الرضيع هادئًا مع من يعتني به، أو لم يُظهر رد فعل قويًا عند عودة والدته.
لكن الخبراء يؤكدون أن العلاقة بين الرضيع وأمه أعمق بكثير من أن تختفي بسبب غياب قصير، فارتباط الطفل بوالدته يُبنى تدريجيًا من خلال الرعاية اليومية، وصوتها، ورائحتها، ولمساتها، وهي أمور تترك أثرًا في ذاكرته العاطفية منذ الأشهر الأولى.

منذ الولادة، يبدأ الرضيع في تمييز الأشخاص الأقرب إليه. فهو يتعرف إلى صوت أمه الذي اعتاد سماعه خلال الحمل، ثم يتعرف إلى رائحتها وملامح وجهها وطريقتها في حمله وتهدئته.
ومع تكرار هذه التجارب، تتكون لديه علاقة ارتباط تمنحه الشعور بالأمان والطمأنينة، وهي لا تعتمد على عنصر واحد فقط، بل على مجموعة من الخبرات اليومية المتكررة.
في معظم الحالات، لا ينسى الرضيع أمه إذا كان الغياب قصيرًا، خاصة إذا كانت العلاقة بينهما مستقرة قبل ذلك.
لكن طريقة استجابة الطفل قد تختلف باختلاف عمره ومدة الغياب. فقد يبدو بعض الرضع سعداء فور رؤية الأم، بينما يحتاج آخرون إلى بعض الوقت قبل أن يعودوا إلى تفاعلهم المعتاد، وهذا لا يعني أنهم نسوها، بل أنهم يحتاجون إلى إعادة الشعور بالأمان بعد التغيير الذي مروا به.
تشعر بعض الأمهات بالذنب عندما ترى طفلها هادئًا مع الجدة أو الأب أو مقدم الرعاية، وتعتقد أن ذلك يعني أنه لم يعد بحاجة إليها.
إلا أن قدرة الرضيع على التكيف مع شخص يعتني به لا تعني ضعف ارتباطه بوالدته، بل تعكس شعوره بالأمان عندما يحصل على رعاية مستقرة وهادئة خلال غيابها.
فالارتباط الآمن لا يمنع الطفل من بناء علاقات جيدة مع أشخاص آخرين، بل يساعده على ذلك.
قد يبتسم الرضيع ويطلب الحمل مباشرة، أو قد يبدو متحفظًا في البداية، أو حتى يبكي عند رؤيتها. وجميع هذه الاستجابات طبيعية.
فالرضيع لا يعبر عن مشاعره بالكلمات، بل من خلال سلوكه. وقد يحتاج إلى بعض الوقت ليطمئن إلى أن والدته عادت ولن تختفي مرة أخرى.
لذلك من المهم منحه مساحة من الحنان والهدوء من دون الضغط عليه للاستجابة بسرعة.
إذا كنت تعلمين أنك ستبتعدين عن طفلك لبضعة أيام، فهناك خطوات تساعد على جعل الانتقال أكثر سهولة:
كلما كان الغياب أطول أو متكررًا، أو ترافق مع تغييرات كبيرة في حياة الطفل، احتاج الرضيع إلى وقت أطول للتكيف.
كما أن الأطفال الأكبر قليلًا، الذين بدأوا يدركون مفهوم بقاء الأشخاص وغيابهم، قد يظهر لديهم قلق الانفصال بصورة أوضح، وهو جزء طبيعي من مراحل النمو.
قد لا يفهم الرضيع سبب غياب أمه، لكنه لا يمحوها من ذاكرته بسبب أيام قليلة من الابتعاد. فالعلاقة التي تتشكل عبر الاحتضان، والاستجابة لبكائه، والعناية اليومية، أقوى من أن تختفي بسبب ظرف مؤقت.
وعندما تعود الأم وتستأنف تواصلها الطبيعي معه، يستعيد الطفل تدريجيًا شعوره بالأمان، لتستمر رابطة الارتباط التي بُنيت بينهما منذ الأيام الأولى من حياته.