لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للبحث عن المعلومات أو إنجاز المهام اليومية، بل بدأ يدخل أيضاً إلى تفاصيل التربية.
حيث يلجأ بعض الأهل إليه للحصول على أفكار للتعامل مع نوبات الغضب، مساعدة الطفل في الدراسة، فهم سلوك معين أو حتى اقتراح أنشطة تناسب عمره.
لكن هل يمكن فعلاً الاعتماد على الذكاء الاصطناعي كمستشار تربوي؟

الإجابة تحتاج إلى التمييز بين استخدامه كأداة مساعدة، وبين اعتباره بديلاً عن المختص.
يمكن للأهل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي للحصول على تفسيرات أولية لبعض السلوكيات الشائعة لدى الأطفال، مثل رفض النوم، نوبات الغضب أو صعوبة الانتقال من نشاط إلى آخر.
وتكمن فائدته هنا في طرح احتمالات وأسئلة تساعد الوالدين على التفكير في الموقف من زوايا مختلفة، وليس في تقديم تشخيص نهائي.
يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح ألعاب وأنشطة تعليمية وأساليب بسيطة لتشجيع الطفل على القراءة أو تطوير مهاراته، مع إمكانية تخصيص الاقتراحات وفق العمر والاهتمامات والوقت المتاح للأسرة.
لكن جودة النتيجة تعتمد على المعلومات التي يقدمها الأهل؛ فكلما كان الوصف دقيقاً، كانت الاقتراحات أكثر ارتباطاً بالموقف.
عندما يجد الأب أو الأم نفسيهما أمام موقف تربوي متكرر، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعدهما في ترتيب الأفكار واقتراح طرق مختلفة للتعامل معه.
على سبيل المثال، بدلاً من السؤال فقط: «كيف أجعل طفلي يطيعني؟»، يمكن طلب مجموعة من الطرق التي تعتمد على وضع حدود واضحة، مع الحفاظ على التواصل واحترام مشاعر الطفل.
هذه هي النقطة الأهم. المختص التربوي أو النفسي يستطيع تقييم الطفل ضمن سياقه الكامل، والاستماع إلى الأهل، وطرح أسئلة متابعة، وملاحظة أنماط السلوك والتفاعل. أما الذكاء الاصطناعي فيعتمد على المعلومات التي يحصل عليها من المستخدم.
لذلك؛ قد يقدم إجابة تبدو منطقية، لكنها لا تكون مناسبة لطفل بعينه أو لظروف أسرته.
هناك مواقف لا ينبغي فيها الاكتفاء بإجابة من أداة ذكاء اصطناعي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمخاوف مستمرة بشأن نمو الطفل أو تعلمه أو سلوكه، أو عندما يؤثر الأمر بوضوح في حياته اليومية وعلاقاته ودراسته.
في هذه الحالات، يكون تقييم المختص هو الخطوة الصحيحة، ويمكن استخدام الذكاء الاصطناعي فقط للمساعدة في إعداد الأسئلة أو فهم المصطلحات التي يشرحها المختص.
من أكثر الاستخدامات إشكالية أن يصف الأهل سلوكاً واحداً للطفل ثم يطلبوا من الذكاء الاصطناعي تحديد اضطراب أو حالة معينة.
وجود صعوبة في التركيز، أو نوبات غضب، أو تأخر في مهارة ما لا يعني بالضرورة وجود اضطراب. التشخيص يحتاج إلى تقييم شامل يستند إلى معايير مهنية، وليس إلى محادثة قصيرة مع روبوت.
قبل إدخال معلومات الطفل في أي أداة للذكاء الاصطناعي، من المهم التفكير في نوع البيانات التي تتم مشاركتها.
لا حاجة إلى إدخال الاسم الكامل، أو تفاصيل شخصية يمكن أن تكشف هوية الطفل، أو صور ووثائق حساسة لمجرد الحصول على نصيحة عامة. ومن الأفضل أيضاً مراجعة سياسة الخصوصية الخاصة بالأداة التي تستخدمينها وفهم كيفية التعامل مع البيانات.
بدلاً من التعامل معه باعتباره «خبيراً يعرف طفلي»، يمكن اعتباره مساعداً يساعدك على التفكير.
يمكنك مثلاً أن تطلبي منه:
والأفضل ألا تتعاملي مع الإجابة الأولى باعتبارها الحقيقة النهائية، بل اسألي عن الأسباب والبدائل وما المعلومات التي قد تغير التوصية.
قد يصبح الذكاء الاصطناعي أداة مفيدة جداً للأهل، خصوصاً في الحصول على الأفكار وتنظيم المعلومات والاستعداد للمواقف اليومية. لكنه لا يستطيع أن يحل محل العلاقة التي يبنيها الوالدان مع طفلهما، ولا محل التقييم المهني عندما تكون هناك مشكلة تحتاج إلى تدخل متخصص.
القيمة الحقيقية ليست في أن يسأل الأهل الذكاء الاصطناعي: «ماذا أفعل بطفلي؟»، بل في أن يساعدهم على طرح أسئلة أفضل، وفهم الخيارات المتاحة، واتخاذ قرارات أكثر وعياً.