تحرص معظم الأمهات والآباء على معاملة أبنائهم بعدل، لكن كثيرًا من الأسر تتجنب سؤالًا حساسًا: هل يوجد طفل مفضل فعلًا؟
ورغم أن أغلب الوالدين يرفضون هذه الفكرة، فإن الدراسات النفسية وتجارب الأبناء تشير إلى أن الإحساس بوجود طفل يحظى باهتمام أو تقارب أكبر ليس أمرًا نادرًا.
ولا يتعلق الأمر دائمًا بالحب، فالأهل قد يحبون أبناءهم جميعًا، لكنهم، أحيانًا، يتعاملون مع أحدهم بطريقة مختلفة دون وعي، وهو ما قد يترك آثارًا عميقة على جميع أفراد الأسرة.

تشير الأبحاث النفسية إلى أن بعض الآباء والأمهات يميلون إلى التقرب من أحد الأبناء أكثر من غيره لأسباب متعددة، منها تشابه الشخصية، أو سهولة التعامل معه، أو اشتراكهما في الاهتمامات نفسها.
وفي أحيان أخرى، قد يحظى طفل باهتمام إضافي لأنه الأصغر سنًا، أو لأنه يواجه تحديات صحية أو تعليمية، أو لأنه الأكثر هدوءًا والتزامًا.
لكن المشكلة لا تكمن في المشاعر نفسها بقدر ما تكمن في انعكاسها على طريقة المعاملة اليومية.
الأطفال يملكون قدرة كبيرة على ملاحظة التفاصيل، حتى عندما يعتقد الكبار أنهم يخفونها جيدًا.
فهم يلاحظون من يُسامح أكثر عند الخطأ، ومن يحصل على وقت أطول مع الوالدين، ومن تُستجاب طلباته بسرعة أكبر، ومن يحظى بقدر أكبر من الثناء أو الدفاع.
وفي كثير من الأحيان لا يحتاج الطفل إلى تصريح مباشر ليشعر بوجود تفضيل، بل يستنتجه من المواقف الصغيرة المتكررة.
قد يفسر بعض الأطفال هذا الأمر على أنه دليل على أنهم أقل أهمية أو أقل استحقاقًا للحب.
ومع الوقت قد تظهر لديهم مشاعر الغيرة أو الإحباط أو الحاجة المستمرة لإثبات الذات. كما قد يسعون إلى جذب الانتباه بطرق مختلفة، سواء من خلال التفوق والإنجاز أو عبر السلوكيات المزعجة والمتمردة.
ولا يعني ذلك أن جميع الأطفال يتأثرون بالطريقة نفسها، لكن الشعور بعدم المساواة قد يترك أثرًا في تقدير الذات والعلاقات الأسرية.
قد يبدو للوهلة الأولى أن الطفل المفضل هو الرابح في هذه المعادلة، لكن الأمر ليس بهذه البساطة.
ففي بعض الأسر، يُحمّل هذا الطفل توقعات مرتفعة وضغوطًا كبيرة للحفاظ على صورته المثالية. وقد يشعر أنه مطالب دائمًا بالنجاح أو إرضاء والديه حتى لا يفقد مكانته الخاصة.
كما يمكن أن يؤثر التفضيل في علاقته بإخوته، فيصبح هدفًا للغيرة أو التوتر داخل الأسرة.
في معظم الحالات لا يكون التفضيل قرارًا واعيًا، بل نتيجة لعوامل إنسانية طبيعية.
فقد يشعر أحد الوالدين بقرب أكبر من طفل يشبهه في الطباع أو الاهتمامات، أو يجد راحة أكبر في التعامل مع شخصية معينة مقارنة بأخرى أكثر تحديًا.
لكن الوعي بهذه الميول مهم، لأن الأطفال لا يتأثرون بما يشعر به الأهل فقط، بل بما ينعكس على سلوكهم وتصرفاتهم اليومية.
المساواة لا تعني معاملة جميع الأطفال بالطريقة نفسها، فلكل طفل احتياجاته وشخصيته وظروفه المختلفة. لكن المهم أن يشعر كل واحد منهم بأنه محبوب ومقدّر لذاته.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
في النهاية، لا يبحث الأطفال عن أن يكونوا الأفضل أو الأقرب أو الأكثر تميزًا داخل الأسرة بقدر ما يبحثون عن الشعور بالأمان والانتماء.
فعندما يشعر الطفل أن مكانته محفوظة في قلب والديه، وأن حبهم له لا يعتمد على تفوقه أو طباعه أو ترتيبه بين إخوته، تقل أهمية فكرة "الطفل المفضل"، وتصبح العلاقة الأسرية أكثر صحة وتوازنًا.
فالأطفال قد ينسون كثيرًا من التفاصيل، لكنهم يتذكرون جيدًا كيف شعروا داخل أسرهم، وهل كانوا محبوبين كما هم أم كانوا يتنافسون باستمرار على مساحة أكبر من الاهتمام.