بين فسيفساء رومانية عمرها ألفا عام ومنحوتات فولاذية عملاقة، يستعيد الفنان البريطاني فيليب كولبرت أحد أبرز رموزه الفنية في قلب مدينة بومبي الأثرية.
ومن خلال معرضه "فيليب كولبرت في بومبي: الأساطير الشعبية"، يتحول الكركند إلى حلقة وصل بين الفن الروماني القديم وفن البوب المعاصر، في تجربة بصرية تعيد قراءة الذاكرة والزمن وانتقال الرموز بين الحضارات.
تحتضن الحديقة الأثرية في بومبي معرض "فيليب كولبرت في بومبي: الأساطير الشعبية"، الذي انطلق في 28 يوليو/تموز الماضي، ويقدم واحداً من أكبر المشاريع الفنية التي أنجزها الفنان البريطاني حتى الآن.
ويضم المعرض أكثر من 30 منحوتة ضخمة لشخصية الكركند الشهيرة التي ارتبطت بمسيرة كولبرت الفنية، في أول معرض للنحت المعاصر تستضيفه الحديقة الأثرية ببومبي منذ نحو ثلاثة عقود.
وتنتشر المنحوتات بين شوارع المدينة الرومانية القديمة وفيلاتها وأعمدتها، لتقدم تجربة تجمع بين الآثار والفن المعاصر داخل واحد من أشهر المواقع الأثرية في العالم.

لم يأت اختيار الكركند اعتباطاً، إذ استلهم كولبرت مشروعه من فسيفساء شهيرة عُثر عليها في بيت الفاون بمدينة بومبي، وهي محفوظة حالياً في المتحف الأثري الوطني في نابولي.
وتصور الفسيفساء مشهداً بحرياً يظهر فيه كركند وثعبان بحر وأخطبوط في حالة صراع، وهي الصورة التي تحولت في أعمال كولبرت إلى نقطة انطلاق لإعادة صياغة الرمز البحري القديم ضمن لغة فن البوب المعاصر.
ولا يظهر الكركند في أعمال الفنان بوصفه كائناً بحرياً فحسب، بل باعتباره رمزاً بصرياً أصبح جزءاً أساسياً من هويته الفنية، ليلتقي في أعماله التاريخ والأسطورة والثقافة الشعبية.
يُعرف فيليب كولبرت، المولود في إسكتلندا والمقيم في لندن، بأعمال تجمع بين الرسم والنحت وتاريخ الفن، مستعيداً رموزاً وصوراً كلاسيكية وإعادة تقديمها بأساليب بصرية معاصرة.
وخلال السنوات الماضية، قدم الفنان مشاريع وتركيبات واسعة النطاق في عدد من المدن والمؤسسات الفنية حول العالم، فيما وصفه بعض النقاد بأنه وريث الفنان الأميركي آندي وارهول، بالنظر إلى حضوره في مشهد فن البوب المعاصر واستلهامه إرث هذا التيار ورموزه.
يضم معرض فيليب كولبرت في بومبي منحوتات مصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ، إلى جانب أعمال بطبقة برونزية، تظهر وسط الأقواس والأعمدة والآثار الرومانية بصورة تخلق مفارقة بين الماضي والحاضر.
كما يقدم الفنان ثلاثية جديدة من المنحوتات المصنوعة من الفولاذ الأسود، صممها باعتبارها "آثاراً أسطورية للمستقبل"، ومن بينها محاربون آليون على هيئة كركند، تبدو كما لو أنها بقايا لحضارة مستقبلية متخيلة.
لا يتوقف المشروع الفني عند حدود الحديقة الأثرية في بومبي، إذ يمتد إلى عدد من المواقع التاريخية ضمن منطقة بومبي الكبرى، من بينها لونغولا وبوسكورالي وأوبلونتيس وفيلا سان ماركو وفيلا أريانا والمصنع الملكي للبارود البوربوني.
وفي موقع لونغولا، تحمل إحدى المنحوتات دلالة خاصة، بعدما جاءت عقب حريق متعمد تعرض له الموقع قبل أسابيع، لتشكل رسالة دعم للمكان والمجتمع المحلي.
يفتح مشروع فيليب كولبرت في بومبي نقاشاً حول حضور الفن المعاصر داخل المواقع الأثرية، إذ لا تقدم المدينة الرومانية القديمة هنا باعتبارها مجرد مساحة لحفظ آثار الماضي، وإنما تتحول إلى فضاء لاستقبال قراءات فنية جديدة.
ومن خلال شخصية الكركند، ينتقل الرمز من فسيفساء رومانية قديمة إلى منحوتات معاصرة، ليؤكد المعرض أن الصور والرموز قادرة على عبور القرون وإعادة اكتساب معانٍ جديدة وفق السياقات الثقافية والفنية المختلفة.
يستمر عرض أعمال فيليب كولبرت في الحديقة الأثرية ببومبي حتى 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2026، فيما يمتد المشروع إلى مطلع عام 2027 عبر بعض مكوناته ومواقعه الأخرى.
ويقدم المعرض في مجمله تجربة فنية تستعيد رمزاً من الذاكرة البصرية لمدينة بومبي، وتضعه في مواجهة لغة الفن المعاصر، في حوار مفتوح بين الحضارة الرومانية القديمة وفن البوب وثقافة العصر الحديث.