في قلب العاصمة الإماراتية أبوظبي، يرسخ متحف زايد الوطني مكانته كواحد من أبرز المشاريع الثقافية في المنطقة، من خلال تقديم تجربة معرفية تتجاوز مفهوم عرض المقتنيات التاريخية التقليدي، فالمتحف يعتمد على البحث العلمي والتقنيات الحديثة لإعادة قراءة تاريخ الإمارات وتراثها الحضاري، بما يسهم في تعزيز الوعي الثقافي وبناء جسور بين الماضي والحاضر للأجيال الجديدة.
لا يقتصر دور متحف زايد الوطني على حفظ القطع الأثرية وعرضها، بل يعمل على تحويل التاريخ إلى تجربة تفاعلية حية تعتمد على الدراسات الأكاديمية والشراكات البحثية المتخصصة.
ويهدف المتحف إلى تعميق فهم الزوار لمسيرة دولة الإمارات وتاريخها الممتد عبر آلاف السنين، من خلال مشاريع علمية تسلط الضوء على جوانب مختلفة من الحياة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في المنطقة.
ويعتمد المتحف على منهجية متكاملة تجمع بين العمل المتحفي والبحث العلمي، ما يتيح تقديم محتوى تاريخي موثق ومدعوم بأحدث الدراسات والاكتشافات الأثرية.
ويُعد "قارب ماجان" أحد أبرز المعروضات التي تجسد فلسفة المتحف القائمة على إعادة إحياء التاريخ عملياً، وليس الاكتفاء بعرضه.
ويمتد القارب بطول 18 متراً داخل ردهة المتحف، وهو نموذج مطابق للقوارب التي استخدمت في التجارة البحرية بين الإمارات وبلاد الرافدين وجنوب آسيا قبل أكثر من أربعة آلاف عام.
وأُنجز المشروع عام 2024 بالتعاون بين متحف زايد الوطني وجامعة زايد وجامعة نيويورك أبوظبي، بمشاركة فريق ضم أكثر من 20 خبيراً من علماء آثار ومهندسين وصناع سفن.
واستندت عملية البناء إلى نصوص تاريخية موثقة ورُقم طينية قديمة لضمان الدقة في اختيار المواد وتقنيات التصنيع المستخدمة آنذاك.
لم يقتصر المشروع على إعادة تصنيع القارب، بل خضع أيضاً لاختبار عملي في مياه الخليج العربي بقيادة القبطان الإماراتي مروان عبدالله المرزوقي، حيث أبحر لمسافة 50 ميلاً بحرياً للتحقق من قدراته الملاحية ومدى تطابقه مع النماذج التاريخية الأصلية.
ويضم متحف زايد الوطني ست صالات عرض دائمة تستعرض تاريخ المنطقة وسيرة الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، من خلال مزيج متطور من القطع الأثرية والعروض التفاعلية.
وتوفر هذه الصالات للزوار تجربة حسية ومعرفية تساعدهم على استكشاف محطات مختلفة من تاريخ الإمارات بطريقة حديثة وجذابة.
وتتناول صالة "في سواحلنا" تطور المستوطنات الساحلية في الإمارات، مسلطة الضوء على أنشطة الغوص لاستخراج اللؤلؤ وصيد الأسماك والتجارة البحرية، ودورها في تشكيل الهوية الثقافية والاقتصادية للدولة.
وتأخذ هذه الصالة الزوار في رحلة تمتد إلى نحو 300 ألف عام، لاستعراض أقدم الشواهد على وجود الإنسان في المنطقة، إضافة إلى بدايات العلاقات التجارية والتواصل الحضاري مع المجتمعات المجاورة في الخليج العربي.
وتستعرض الصالة تأثير البيئة الطبيعية والجغرافيا المحلية في تشكيل أنماط الحياة المختلفة التي عرفتها الإمارات عبر العصور، وكيف ساهمت الموارد الطبيعية في بناء المجتمعات واستمرارها.
يمتلك المتحف منظومة متكاملة للحفظ والترميم والبحث العلمي، تشمل مختبرات متخصصة للمخطوطات والمنسوجات والقطع الأثرية ثلاثية الأبعاد، إلى جانب استوديو رقمي متطور للتوثيق والأرشفة.
وأتاحت تقنيات التصوير متعدد الأطياف للباحثين الكشف عن تفاصيل تاريخية لم تكن مرئية سابقاً، ما أسهم في تطوير فهم أعمق للعديد من الوثائق والمقتنيات النادرة.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الدراسات التي أُجريت على "المصحف الأزرق"، أحد أهم نماذج الخط الإسلامي المبكر، حيث كشفت الفحوص عن نصوص وآيات كانت مخفية أسفل طبقات التذهيب، الأمر الذي وفر معلومات جديدة حول أساليب صناعة المخطوطات الإسلامية وفنونها.
وإلى جانب البنية التقنية المتطورة، يواصل متحف زايد الوطني دعم الأبحاث العلمية عبر "صندوق منح متحف زايد الوطني للبحوث"، الذي يوفر تمويلاً سنوياً بقيمة مليون درهم إماراتي للمشروعات البحثية المتخصصة.
ويستفيد من الصندوق باحثون ومؤسسات أكاديمية من الإمارات وعدد من دول العالم، من بينها مصر والصين والهند والمملكة المتحدة والولايات المتحدة.
ومنذ تأسيس الصندوق عام 2023، ساهم في تمويل 18 مشروعاً بحثياً تناولت موضوعات متنوعة مرتبطة بتاريخ الإمارات وثقافتها وتراثها.
وتنعكس نتائج هذه الدراسات بشكل مباشر على تطوير محتوى المتحف ومعروضاته، بما يضمن تقديم سرد تاريخي أكثر شمولاً ودقة للزوار.
ويقدم متحف زايد الوطني نموذجاً حديثاً للمؤسسات الثقافية التي تجمع بين حفظ التراث والابتكار العلمي، حيث يسهم في توثيق تاريخ الإمارات وإعادة تقديمه بوسائل معاصرة تتناسب مع تطلعات الأجيال الجديدة.
ومن خلال مشاريعه البحثية ومعروضاته التفاعلية وشراكاته الأكاديمية، يواصل المتحف ترسيخ مكانته كمنصة معرفية تسهم في تعزيز الهوية الوطنية وإثراء المشهد الثقافي في دولة الإمارات والمنطقة.