جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا
خاص

لانا الخليل: عندما تتحوّل الموضة إلى حكاية عن الأرض والهوية والانتماء

نُشر: آخر تحديث:

وسط تسارع صيحات الموضة وتبدّلها المستمر، اختارت لانا الخليل أن تسلك طريقاً مختلفاً. فمؤسِّسة علامة KAĪYA لم تصل إلى عالم الأزياء عبر دراسة التصميم أو العمل في دور الموضة، بل جاءت من خلفية تجمع بين العمل الإنساني والنشاط المجتمعي وشغفها بسرد القصص. ومن خلال علامتها، تسعى إلى تقديم رؤية تربط بين الحرفية والاستدامة والهوية الثقافية، مستلهمةً أفكارها من تجاربها في السفر ومن التراث الذي تحمله المنسوجات والحرف التقليدية.

بين الحرفية والاستدامة... رؤية لانا الخليل للموضة

في هذا الحوار مع "فوشيا"، تتحدث لانا الخليل عن رحلتها المهنية، ورسالة KAĪYA، وإيمانها بقدرة الموضة على إحداث أثر يتجاوز حدود الجمال والتصميم.

كيف بدأت رحلتكِ في عالم الموضة، وما الذي قادكِ إلى هذا المجال؟

لم تكن رحلتي في عالم الموضة تقليدية. فأنا لم أتخرج في كلية متخصصة في تصميم الأزياء، بل أتيت من خلفية ترتكز على العمل الإنساني والنشاط المجتمعي وسرد القصص. درستُ اقتصاديات التنمية في نيويورك في فترة كانت فيها النقاشات حول المصانع الاستغلالية، وحقوق العمال، والأثر البيئي للإنتاج الضخم تتصدر الاهتمام العام ويصعب تجاهلها.

لطالما أسرتني الموضة لأنني أدركت أنها تقع عند تقاطع الجمال والهوية والثقافة والاقتصاد. ومن هنا وُلدت علامة KAĪYA، انطلاقاً من رغبتي في ابتكار ملابس تحمل معنى ورسالة؛ قطع تعبّر عن الأنوثة والحسّ الإبداعي، وفي الوقت نفسه تراعي الأيدي التي صنعتها والثقافات التي تنتمي إليها.

استلهمت رؤيتي من رحلاتي إلى أماكن مثل نيجيريا وبالي وأمريكا اللاتينية ولبنان، حيث كنت أتجول في الأسواق المحلية وألتقي بالحرفيين وأكتشف عالم الأقمشة. هناك أدركت أن المنسوجات ليست مجرد أقمشة، بل إرث حيّ يحمل قصص الشعوب وذاكرتها الثقافية.

ما الذي دفعكِ إلى تأسيس علامة KAĪYA، وما الرسالة التي تحملها؟

تأسست KAĪYA انطلاقاً من إيماني بأن الموضة يمكن أن تكون مؤثرة عاطفياً ومسؤولة أخلاقياً في الوقت نفسه. أردتُ إنشاء علامة تحتفي بالحسية والفن والتفرّد، مع الحفاظ على قيم الحرفية والتراث والإنتاج الواعي.

في جوهرها، تحمل KAĪYA رسالة مفادها أن ما نرتديه يجب أن يروي قصة تستحق أن تُروى. وترتبط هوية العلامة ارتباطاً وثيقاً بمفاهيم الأرض والانتماء والتراث الأصلي والعلاقات الإنسانية.

كما تعبّر KAĪYA عن أهمية التمهّل في عالم يقوم على الاستهلاك المفرط، وتدعو إلى اقتناء قطع تدوم قيمتها العاطفية بقدر ما تدوم جودتها المادية، لتبقى جزءاً من ذاكرة مرتديها وقصته الشخصية.

كيف أثّرت خلفيتكِ في العمل الإنساني على رؤيتكِ للتصميم؟

شكّلت خلفيتي في العمل الإنساني الأساس الذي قامت عليه KAĪYA بشكل كامل. فقبل دخولي عالم الموضة، أمضيت سنوات في مجالي النشاط المجتمعي والعدالة الاجتماعية، مlا منحني فهماً أعمق لأوجه عدم المساواة داخل الأنظمة العالمية، بما في ذلك صناعة الأزياء نفسها.

وقد دفعني ذلك إلى التفكير فيمن يحظى بالاهتمام، ومن يتم تجاهله، ومن يستفيد من عمليات الإنتاج. وانعكست هذه الرؤية بشكل طبيعي على الطريقة التي أتعامل بها مع التصميم.

بالنسبة لي، لا يمكن للملابس أن توجد بمعزل عن الإنسان، فهي ترتبط بالعمل والثقافة والنزوح والاستدامة والكرامة. ولهذا السبب تتعاون KAĪYA مع الحرفيين، وتعمل مع مجتمعات اللاجئين، وتسعى إلى خلق فرص اقتصادية من خلال الإبداع بدلاً من استنزاف الموارد أو استغلال المجتمعات.

إلى أي مدى أصبحت الاستدامة جزءاً أساسياً من مستقبل الموضة؟

أعتقد أن صناعة الموضة تتحمل اليوم مسؤولية كبيرة، لأنها تُعد من أكثر الصناعات تلويثاً في العالم. لكن الاستدامة، من وجهة نظري، لا تقتصر على استخدام الأقمشة العضوية أو مواد التغليف المعاد تدويرها فحسب، بل تشمل أيضاً الاستدامة العاطفية؛ أي تصميم ملابس يبني الناس معها ارتباطاً حقيقياً ويحتفظون بها لسنوات طويلة.

وأؤمن بأن صناعة الموضة بحاجة إلى الابتعاد عن ثقافة الاستهلاك السريع والمنتجات قصيرة العمر، والعودة إلى قيم الحرفية والجودة والقطع التي تصمد أمام الزمن وتحمل قصة ومعنى. كما أرى أن المستهلكين أصبحوا اليوم أكثر وعياً بخياراتهم، مما يحمّل العلامات التجارية مسؤولية أكبر في التصميم والإنتاج بقدر أعلى من الوعي والشفافية.

ما أبرز التحديات التي تواجهينها في تحقيق التوازن بين الجمالية والمسؤولية البيئية؟

من أبرز التحديات أن الاستدامة تتطلب غالباً وتيرة عمل أبطأ، وكميات إنتاج أصغر، وحرصاً أكبر في اختيار المواد ومصادرها، في حين تدفع صناعة الموضة باستمرار نحو السرعة والاستهلاك المتزايد.

وبالنسبة إلى KAĪYA، من المهم ألا تكون الاستدامة على حساب الجمال أو الأنوثة. فلم أرغب يوماً في أن تبدو الموضة الأخلاقية مقيدة أو تفتقر إلى الجاذبية البصرية. ويكمن التحدي في ابتكار قطع تحمل قيمة عاطفية وتثير ارتباطاً حقيقياً لدى من يرتديها، مع الحفاظ في الوقت نفسه على نهج واعٍ ومسؤول في طريقة إنتاجها.

وفي كثير من الأحيان، يكون الخيار الأكثر مسؤولية هو أيضاً الأكثر صعوبة أو تكلفة، لكنني أؤمن بأن الجمال والأخلاقيات يمكن أن يتكاملا ويتواجدا بالقدر نفسه من الأهمية.

ماذا يعني لكِ العمل مع الحرفيين، وكيف تنعكس هذه الشراكة على تصاميمكِ؟

يُعدّ العمل مع الحرفيين من أكثر الجوانب التي تحمل معنى بالنسبة لي في KAĪYA، فهو يحوّل الموضة من مجرد عملية إنتاج إلى شكل من أشكال التبادل الثقافي والحفاظ على التراث.

وغالباً ما أحرص على السفر للقاء الحرفيين في بيئاتهم الخاصة، لأنني أؤمن بأن الحرف اليدوية تختزن ذاكرة أجيال متعاقبة. سواء كانت أقمشة منسوجة يدوياً في نيجيريا، أو تقنيات صباغة تقليدية، أو أساليب تطريز متوارثة، فإن هذه الحرف تروي قصصاً عن الهوية والمكان والانتماء.

وتنعكس  هذه الروح في كل قطعة، إذ تحمل بصمة الإنسان الذي صنعها. وتلك التفاصيل غير المتكلفة والروح الكامنة فيها هي من أكثر العناصر التي أقدّرها وأعتز بها.

كيف تصفين هوية KAĪYA، ومن أين تستمدين مصادر إلهامكِ؟ 

أصف هوية KAĪYA بأنها مفعمة بالأنوثة والروح، ومتجذّرة في فن سرد القصص. فتصاميمها تتحرك في مساحة تجمع بين النعومة والقوة، والأنوثة والارتباط بالأرض، والحداثة والتراث.

وأستمد إلهامي من مصادر متعددة، من بينها الثقافات الأصلية، والمنسوجات التي أكتشفها في الأسواق المحلية، والطبيعة، والروحانيات، والشعر، والموسيقى، إضافة إلى تجربتي الشخصية ونشأتي كامرأة لبنانية.

ويُشكّل الرابط بين الإنسان والأرض أحد الموضوعات المحورية المتكررة في عالم KAĪYA. ولأنني من جنوب لبنان، حيث كانت قرية عائلتي تحت الاحتلال خلال جزء كبير من طفولتي، نشأت على سماع قصص عن الأرض وكأنها كائن حيّ. وقد ترك هذا الارتباط أثراً عميقاً في لغتي الإبداعية، وشكّل جزءاً أساسياً من رؤيتي الفنية.

هل تميل تصاميمكِ إلى القطع اليومية القابلة للارتداء أو إلى الطابع الفني والتعبيري؟

أعتقد أن تصاميمي تقع في مساحة تجمع بين الاثنين. فأنا أريد للمرأة أن تشعر بالجمال والأنوثة والراحة عند ارتداء قطع KAĪYA، لكنني في الوقت نفسه أنظر إلى كل قطعة بوصفها شكلاً من أشكال التعبير الفني.

وحتى القطع العملية المناسبة للاستخدام اليومي تحمل هوية بصرية وعاطفية واضحة. كما أنني مهتمة بابتكار ملابس تثير المشاعر والذكريات وتعكس الفردية، بدلاً من الاكتفاء بمواكبة الصيحات الرائجة.

أخبار ذات صلة

Chanel

شانيل ترتقي بالاستدامة إلى مستوى جديد

هل يمكن للموضة أن تكون أداة للتغيير الاجتماعي؟ وكيف؟

بالتأكيد. لطالما عكست الموضة الثقافة والسياسة والهوية وموازين القوة في المجتمع. فهي قادرة على ترسيخ أنظمة وممارسات ضارة، لكنها تملك في الوقت نفسه القدرة على تحدّيها وإحداث تغيير فيها.

وتصبح الموضة أداة للتغيير الاجتماعي عندما تفتح المجال للنقاش حول قضايا العمل والاستدامة والحفاظ على التراث الثقافي والشمولية والقضايا الإنسانية. كما تتجلى قوتها بشكل أكبر عندما تسهم في توفير فرص اقتصادية للمجتمعات والفئات المهمّشة.

كيف تتحول الموضة، من خلال مبادراتكِ مع Animals Lebanon، إلى وسيلة لإحداث أثر ملموس على أرض الواقع؟

ينطلق عملي مع Animals Lebanon من إيماني بأن الإبداع يجب أن يخدم قضية أكبر من ذاته. ومن هذا المنطلق، أطلقنا مبادرات تتحول فيها الموضة إلى وسيلة مباشرة لدعم جهود إنقاذ الحيوانات وتقديم المساعدات الطارئة للحيوانات المتضررة من الحرب والنزوح في لبنان.

فعلى سبيل المثال، صُممت بعض مجموعات الهوديز من KAĪYA خصيصاً بحيث تُخصّص كامل أرباحها لدعم عمليات الإنقاذ وإعادة توطين الحيوانات المصابة أو المتروكة.

وأعتقد أن الموضة تكتسب معنى أعمق عندما تتجاوز الجانب الجمالي، لتصبح وسيلة للتعاطف والمساندة وإحداث أثر ملموس على أرض الواقع.

من هو المصمم الذي يلهمكِ باستمرار، وما الذي يجذبكِ في رؤيته الإبداعية؟

أستلهم من المصممين الذين ينطلقون في إبداعهم من الهوية والعمق، لا من الصيحات العابرة. ومن بين الأسماء التي أكنّ لها إعجاباً كبيراً المصممة Lisa Folawiyo، لما تتميز به من قدرة على تقديم الحرفية الأفريقية بأسلوب معاصر، مع الحفاظ على أصالتها وثرائها الثقافي.

كما أستلهم من العلامات والمبدعين الذين لا يترددون في المزج بين الجمال وسرد القصص الثقافية أو السياسية، مثل علامة Eke Kere النيجيرية.

وما يلفتني أكثر من أي شيء آخر هو أن تبدو الموضة إنسانية وصادقة، ومتجذّرة في قصة أو قضية حقيقية.

هل هناك كتاب ترك أثراً واضحاً في طريقة تفكيركِ أو رؤيتكِ للحياة؟

هناك العديد من الكتب التي أثّرت في تكوين شخصيتي وفكري، لكنني تأثرت بشكل خاص بالأعمال التي تتناول الحكمة المتوارثة لدى الشعوب الأصلية، والعدالة الاجتماعية، وحركات التحرر حول العالم.

وحتى اليوم، أستطيع القول إن أكثر كتاب ترك أثراً عميقاً في نفسي هو The Wretched of the Earth للكاتب Frantz Fanon.

قرأت هذا الكتاب للمرة الأولى عندما كنت أصغر سناً، لكنه ظلّ يرافقني لأن تأثيره يتجاوز السياسة بكثير. ففيه يتناول الكاتب أثر الاستعمار ليس على الأرض فحسب، بل على الروح الإنسانية أيضاً، وعلى الهوية والذاكرة والكرامة والعلاقة التي تربط الإنسان بذاته وثقافته.

كما يتحدث عن الكيفية التي يمكن أن يؤدي بها القمع إلى إحداث شرخ نفسي داخل المجتمع، وكيف يصبح استعادة الهوية والثقافة والإنسانية جزءاً أساسياً من مسار التحرر نفسه.

كوني من لبنان، وتحديداً من الجنوب، لامستني هذه الأفكار بعمق كبير. فقد نشأت على سماع قصص عن الأرض المحتلة والنزوح، وعن الارتباط العاطفي الذي يجمع الناس بقراهم وبساتين الزيتون وتقاليدهم. ومن هنا، فهمت بشكل فطري ما كان يقصده فانون عندما تحدث عن الأرض لا بوصفها مجرد رقعة جغرافية، بل باعتبارها ذاكرة وانتماءً وسبباً للبقاء.  

أخبار ذات صلة

دانيال عيسى- مصمم أحذية

من سوريا إلى باريس… دانيال عيسى يروي رحلة نجاح علامته الخاصة

logoأحدث اتجاهات الفن والأزياء والجمال على منصة واحدة
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا