احتضنت العاصمة الأردنية عمان، الثلاثاء، 8 سبتمبر/أيلول، الجلسات الأولى من الملتقى الذي يقام تحت عنوان "القصة القصيرة.. من خيال الكتابة إلى التلقي"، ويستمر على مدار يومين، ضمن برنامج ثقافي يناقش قضايا السرد العربي من زوايا إبداعية ونقدية متعددة.
ورعى أمين عام وزارة الثقافة الأردنية الدكتور نضال الأحمد افتتاح جلسات الملتقى، مندوبًا عن وزير الثقافة، بحضور مدير عام دائرة المكتبة الوطنية فراس ضرابعة، والقائم بأعمال سفارة دولة الإمارات العربية المتحدة في الأردن محمد المطروشي، ورئيس دائرة الثقافة في الشارقة عبدالله العويس، ومدير إدارة الشؤون الثقافية ومدير ملتقى الشارقة للسرد محمد إبراهيم القصير، إلى جانب عدد من المثقفين والكتاب.

أكد الأحمد أن الأردن يشهد حراكًا ثقافيًا متواصلًا يجمع المؤسسات الرسمية والأهلية والشركاء العرب والدوليين، بما يعزز مكانة المملكة بوصفها محطة رئيسة للتبادل الثقافي العربي.
وأشار إلى حرص وزارة الثقافة على توسيع التعاون مع المؤسسات الثقافية في دولة الإمارات وإمارة الشارقة، مشيدًا بما تقدمه من مبادرات وبرامج تسهم في دعم الثقافة العربية والاحتفاء بالإبداع في مختلف المجالات.
كما ثمّن مبادرات الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، ودوره في إطلاق مشاريع ثقافية عربية تربط بين الفكر والتاريخ والأدب، وتدعم المؤسسات والمبدعين في المنطقة.

من جانبه، عبّر محمد إبراهيم القصير عن سعادته بتجدد انعقاد ملتقى الشارقة للسرد في عمّان، مشيرًا إلى أن دائرة المكتبة الوطنية سبق أن احتضنت فعاليات الملتقى في دورته السادسة عشرة العام 2019.
وأكد القصير أن اختيار عمّان لاستضافة الملتقى يعكس مكانتها الراسخة في المشهد الثقافي العربي، وما يجمعها مع الشارقة من اهتمام بالثقافة والعلم والمعرفة، وحرص مشترك على توفير مساحة للحوار بين المبدعين العرب.
وأوضح أن إقامة ملتقى الشارقة للسرد في عدد من الدول العربية تأتي انطلاقًا من رؤية الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لتعزيز التواصل الثقافي العربي، وفتح نقاش مستمر حول قضايا السرد، وتنوع تجاربه في البيئات العربية المختلفة.
وأشار إلى أن الملتقى راكم عبر دوراته المتعاقبة مجموعة واسعة من الدراسات والأبحاث التي تناولت فنون السرد، وأسهم في بناء رصيد ثقافي ونقدي يوثق جانبًا من تطور الأدب العربي وتحولاته.
تتناول الدورة الحالية مراحل تشكل القصة القصيرة، بدءًا من الفكرة التي تتولد في مخيلة الكاتب، مرورًا بالمرجعيات التي يستند إليها وبناء النص فنيًا، وصولًا إلى العلاقة بين النص والقارئ وطرق تلقيه وتأويله.
وشدد القصير على أن استمرار التعاون الثقافي بين الأردن والإمارات يجسد عمق العلاقات بين البلدين، ويؤكد اهتمامهما المشترك بدعم الثقافة العربية، وتطوير حضورها في المشهد الإنساني.
كما وجه الشكر إلى وزارة الثقافة الأردنية على تعاونها في تنظيم وإنجاح البرامج والفعاليات الثقافية المشتركة.
ناقشت الجلسة الأولى، التي حملت عنوان "القصة القصيرة من أفق الخيال إلى الواقع المتسع"، التحولات التي طرأت على فن القصة القصيرة في ظل التطور الرقمي، وشارك فيها الناقد والأكاديمي الدكتور زهير عبيدات، والناقد والأكاديمي الدكتور نضال الشمالي، وأدارها مدير مديرية الدراسات والنشر في وزارة الثقافة الدكتور سالم الدهام.
وربط الدهام بين عنوان الملتقى والجلسة، موضحًا أن كليهما ينطلق من العلاقة بين الخيال والواقع بوصفهما فضاءين مفتوحين تتحرك القصة القصيرة بينهما.
وفي ورقته بعنوان "القصة القصيرة والرقميات"، بحث عبيدات تأثير التحولات الرقمية في السرد العربي والقصة القصيرة، موضحًا انعكاس هذه التحولات على الكاتب والنص والمتلقي، سواء من حيث الشكل أو المحتوى.
بدوره، تناول الشمالي في تعقيبه العلاقة المتنامية بين الذكاء الاصطناعي والسرد، مؤكدًا أن النقاش لم يعد مقتصرًا على استخدام أدوات تقنية جديدة في الكتابة، بل امتد إلى أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الأدب ووظيفته وحدود قدرة الآلة على إنتاج القيمة الإبداعية.
وشدد على أهمية بناء علاقة متوازنة بين التكنولوجيا والأدب، بما يتيح الاستفادة من الإمكانات الرقمية مع الحفاظ على مكانة الإنسان بوصفه جوهر العملية الإبداعية.
خصصت الجلسة الثانية لموضوع "المرجعيات الذاتية في القصة القصيرة"، وشارك فيها الناقد والأكاديمي الدكتور حسن المجالي، والناقد والأكاديمي الدكتور ناصر شبانة، والناقد الدكتور راشد عيسى، وأدارها الروائي رمضان الرواشدة.
وتناول راشد عيسى في ورقته "المرجعيات الذاتية في القصة النسوية الأردنية" تنوع المرجعيات التي تستند إليها الكاتبات في بناء قصصهن، وربط ذلك بثقافة المبدعة وقدرتها على توظيف الأساليب المناسبة للأفكار التي تطرحها.
واستعرض نماذج من أعمال عدد من القاصات الأردنيات، موضحًا أوجه التشابه والاختلاف بينها وبين التجارب النسوية العربية، في ظل انفتاح القصة القصيرة على التجريب وتجاوز القوالب الفنية التقليدية.
وخلص إلى أن تجربة القصة القصيرة لدى الكاتبات تشكل مساحة غنية بالمرجعيات الذاتية المتنوعة، في ظل اتساع المجال الذي تتحرك فيه الكتابة القصصية وتجدده المستمر.
من جهته، ناقش حسن المجالي في ورقته "المرجعيات الذاتية في القصة القصيرة.. مقاربة لأثر الذاكرة في بناء القصة بين الإبداع والتلقي" مفهوم المرجعيات الذاتية، متوقفًا عند العلاقة بين فعل القص، وذاكرة الكاتب من جهة، وذاكرة المتلقي من جهة أخرى.
أما ناصر شبانة، فبحث في ورقته "الذات والمرجعية في القصة القصيرة: من تذويت النص إلى تذويت الذات" حضور الذات والمرجعية داخل النص القصصي، مستشهدًا بثلاثة نماذج أدبية هي قصة "الطائر" لزكريا تامر، وقصة "كان يومذاك طفلًا" لغسان كنفاني، وقصة "ما أقل الثمن" لمحمود سيف الدين الإيراني.
اختتمت جلسات اليوم الأول بجلسة ثالثة أدارها القاص الدكتور مخلد بركات، وقدم خلالها القاص سعود قبيلات، والشاعر أكرم الزعبي، والقاصتان سوار الصبيحي وروند الكفارنة شهادات إبداعية حول تجاربهم ومساراتهم في الكتابة.
وتتواصل فعاليات ملتقى الشارقة للسرد، الأربعاء، في دائرة المكتبة الوطنية في عمّان، من خلال جلسات جديدة تبحث في القصة القصيرة وتجاربها الإبداعية والنقدية، بما يعزز الحضور المشترك للثقافة الأردنية والإماراتية، ويفتح مساحات جديدة للحوار حول مستقبل السرد العربي وتحولاته.