يحرك "القيصر" كاظم الساهر، ركود الساحة الفنية بأعماله الغنائية التي يطرحها توالياً، من أغنيات ألبومه العراقي الذي ينتظره الجمهور بشغف واسع.
لا يركن الساهر إلى السهل، بل يتحدى قدراته الفنية الفريدة في كل مرة، حيث استطاع قبل أسبوعين أن يثير الاهتمام بأغنيته "متى؟"، الذي صاحب طرحها جدل كبير حول طريقة تقديمه للأغنية العراقية بشكل متجدد، حتى أنه أثبت صوابية رأيه، عندما قدمها مغناة جماهيرياً في حفله الكبير الذي أحياه في عيد الأضحى بالعاصمة الإماراتية أبو ظبي.
واليوم يجدد الساهر تحديه فنياً، عبر ذائقة مطرزة بالدهشة ومعجونة بالإبداع، وهو يطرح ثاني أغنيات ألبومه بعنوان "إلا أجيبك" من كلماته وألحانه وتوزيع موسيقي لمحب الراوي.
يؤكد الناقد الفني كرم نعمة، أن النجم كاظم الساهر في أغنيته الجديدة "إلا أجيبك"، يفتح نافذة جديدة في الخيال اللحني كرم نعمة هناك لحظات في مسيرة الفنان لا تُقاس بعدد المشاهدات ولا بانتشار الأغنية، بل بقدرتها على إرباك الوسط الموسيقي نفسه.
ويقول: أغنية "إلا أجيبك" تنتمي إلى هذا النوع من اللحظات، لحظة يكتشف فيها الملحنون أن كاظم الساهر ما زال قادرا على مفاجأتهم، وعلى اقتراح جملة موسيقية تأتي من مكان لم يكن أحد يتوقعه. فالساهر في هذا اللحن، لا يكرر نفسه ولا يعود إلى مناطق مألوفة، بل يفتح مساحة جديدة داخل الهوية العراقية نفسها. مساحة تُشبه تلك اللحظات النادرة التي يلتقط فيها الملحن جملة كانت موجودة في الهواء، لكنها كانت تنتظر من يكتشفها.
يبين الناقد كرم نعمة، أن قوة كاظم الساهر الفنية كملحن ومغني، تمكن في قدرته على تحويل المساحة الصامتة إلى جملة نابضة، وفي تحويل الإيقاع العادي إلى نبض جديد. اللحن يبدأ من منطقة صوتية منخفضة في سحر الكمانات المتأرجحة في ظلال الساكسفون حتى يصل الإيقاع العراقي ليمهد بدخول صوت الساهر، كأنه يختبر الأرض قبل أن يخطو عليها ليذكرنا بلحنه الرائع لأغنية "لاتحرموني"، في كوبلية "لو حبستوني بغرفتي، لو حبستوه بغرفته" الذي لم يصل إلى الجمهور العربي كما ينبغي. ثم يرتفع تدريجيا بطريقة لا تشبه صعود الساهر التقليدي، بل صعودا متكسّرا، متردّدا، كأنه يجرّب طريقا جديدا في الجملة. هذا التدرّج ليس زخرفة، بل بناء درامي محسوب، يخلق توترا داخليا قبل أن يفتح الجملة على اتساعها. الجملة الأساسية نفسها قصيرة، لكنها مشدودة بإيقاع داخلي يجعلها تبدو أطول مما هي عليه.
يفسر كرم نعمة لحن أغنية "إلا أجيبك" قائلاً: الساهر هنا لا يعتمد على التطريب، بل على "النبضة" تلك الحركة الدقيقة التي تجعل الجملة تتنفس. وهذا ما يربك الملحنين، بإنه يبتكر جملة بسيطة في ظاهرها، لكنها محكمة في هندستها الهارمونية، بحيث لا يمكن تفكيكها أو تقليدها بسهولة. ثم تأتي القفلة… قفلة غير متوقعة، لا تعود إلى القرار مباشرة، بل تلتف حوله، كأن الساهر يريد أن يقول إن العودة ليست نهاية، بل بداية جديدة للجملة.
هذه القفلة وحدها كافية لتذكير الملحنين بأن كاظم الساهر ما زال يمتلك قدرة نادرة على إعادة تعريف الجملة الموسيقية العراقية من الداخل. الملحنون سيشعرون بالصدمة، لا لأن اللحن جميل فحسب، بل لأنه يذكّرهم بأن الساهر ما زال يمتلك تلك القدرة النادرة على توسيع حدود القالب العراقي دون أن يخرجه من روحه.
وما يميّز الملحن الحقيقي عن الصانع الموسيقي، هو القدرة على فتح نافذة جديدة في كل مرة، لا على إعادة ترتيب النوافذ القديمة. و"إلا أجيبك" ليست مجرد أغنية جديدة، بل إعلان غير مباشر بأن الساهر ما زال في طور الاكتشاف، وأن مشروعه اللحني لم يصل إلى نهايته بعد. وربما هذا ما يجعل أثره مستمرا، أنه لا يكتفي بما يعرفه، بل يغامر بما لم يُكتشف بعد.