في ذكرى رحيل الفنان طلال مداح، الذي يصادف الثلاثاء، 11 أغسطس/آب، يعود اسم "صوت الأرض" إلى الواجهة بوصفه واحدًا من أبرز الأسماء التي صنعت تحولًا مهمًا في تاريخ الأغنية السعودية والخليجية.
فمنذ انطلاقته الفنية في ستينيات القرن الماضي، استطاع "مداح" أن يبني لنفسه مكانة استثنائية بفضل صوته المميز، وألحانه، وأعماله التي تجاوزت حدود السعودية، وصولًا إلى الجمهور العربي، ومحطات الإذاعة، والحفلات في عدد من العواصم العالمية.
لم تكن رحلة طلال مداح مجرد مسيرة مطرب وملحن، بل امتدت إلى عقود شهدت تحولات فنية متلاحقة، تعاون خلالها مع كبار الشعراء والملحنين والمطربين، وأسهم في نقل الأغنية السعودية من إطارها المحلي إلى فضاء عربي أوسع.

وُلد طلال بن عبدالله بن أحمد بن جعفر الجابري، المعروف باسم طلال مداح، في مكة المكرمة في 5 أغسطس/آب 1940، قبل أن ينتقل إلى الطائف ويبدأ هناك علاقته المبكرة بالفن والغناء.
ارتبط طلال منذ طفولته بألحان محمد عبدالوهاب، وكان يحفظ أغانيه ويرددها، قبل أن تتعزز موهبته خلال سنوات الدراسة، حين تولّى الغناء في المناسبات والحفلات المدرسية. ولم يستكمل تعليمه بعد المرحلة الابتدائية، بعدما أصبح الفن جزءًا أساسيًا من حياته المبكرة.
كانت آلة العود محطة أساسية في تكوين طلال مداح الفني، إذ بدأ تعلم العزف بمساعدة صديقه عبدالرحمن خوندنه، قبل أن يتلقى دروسًا أكثر انتظامًا لدى عبدالله فخري.
وسرعان ما تمكن طلال من العزف بفضل شغفه بالموسيقى، وبدأ يقدم لنفسه الأغاني والألحان التي أحبها، خاصة أعمال فريد الأطرش.
وفي أواخر خمسينيات القرن الماضي، توطدت علاقته بالفنان عبدالله محمد، الذي عاش معه أكثر من عام في الطائف، وتعلم منه أصول الغناء، وأداء الموروث الحجازي. وكانت ثمرة هذه العلاقة أغنية «سويعات الأصيل»، التي أصبحت من الأعمال المبكرة المهمة في مسيرة طلال مداح.
شهد العام 1959 محطة فارقة في حياة طلال مداح، بعدما ظهر بصوته في أغنية "وردك يا زارع الورد"، التي لحنها بنفسه من كلمات عبدالكريم خزام.
وحققت الأغنية انتشارًا سريعًا، وأسهمت في انتقال طلال من دائرة الشهرة المحلية إلى مساحة أوسع، كما شكلت خطوة مهمة في تطوير الأغنية السعودية وإدخال أسلوب الأغنية المكبلهة ذات الإيقاعات المتعددة.
ومن الإذاعة السعودية إلى المسارح العربية، بدأت أعمال طلال مداح تجد طريقها إلى جمهور خارج المملكة، كما قادته شهرته إلى لبنان والقاهرة، حيث انفتح على تجارب موسيقية جديدة، وتعاون مع أسماء بارزة في العالم العربي.

كان لقاء طلال مداح ومحمد عبدالوهاب من أبرز محطات مسيرته، بعدما التقى الموسيقار المصري به في القاهرة، العام 1965، وأُعجب بصوته وأدائه.
أطلق عبدالوهاب على طلال لقب "زرياب"، كما قدم له لحن أغنية "ماذا أقول؟". ورغم وقوع خلاف بينهما، لاحقًا، بسبب عقد احتكار صوت طلال، فإن العلاقة عادت إلى مسارها، ليتجدد التعاون بينهما في أغنية "منك يا هاجر دائي".
لم يكتفِ طلال مداح بالغناء، بل كان من أبرز الملحنين في السعودية والعالم العربي، وقدم ألحانًا لعدد كبير من الفنانين، بينهم: محمد عبده، وعبادي الجوهر، وراشد الماجد، ورابح صقر، ووردة الجزائرية، وفايزة أحمد، وسميرة سعيد، وذكرى، ورجاء بلمليح، وغيرهم.
كما غنى من ألحان كبار الموسيقيين العرب، ومن بينهم: محمد عبدالوهاب، ومحمد الموجي، وبليغ حمدي، وهو ما عكس حجم التبادل الفني الذي جمع الأغنية السعودية بالمشهد الموسيقي العربي.
استند مشروع طلال مداح إلى علاقة واضحة بالموروث الفني المحلي، مع انفتاح في الوقت نفسه على الموسيقى العربية والعالمية. وقد ساعد هذا المزيج على منحه هوية فنية خاصة، جعلت صوته وألحانه قادرين على الوصول إلى جمهور يتجاوز حدود السعودية.
ويرتبط هذا الجانب أيضًا بتأثره بالموروث الحجازي، وفنون المجس، والموال، إلى جانب انفتاح منطقة الحجاز على الفنون والإيقاعات المختلفة، وهو ما انعكس في عدد من أعماله.
يمكن قراءة المسيرة الفنية الطويلة لطلال مداح من خلال 4 مراحل رئيسة، بدأت مع صعود نجمه في نهاية الخمسينيات واستمرت حتى رحيله العام 2000.
شهدت الستينيات تثبيت مكانة طلال مداح في الساحة الفنية السعودية، بعدما قدم مجموعة من الأغنيات التي رسخت أسلوبه، كما وسع نشاطه خارج المملكة.
وخلال هذه المرحلة، تعرف إلى لبنان والقاهرة، وسجل أعمالًا جديدة، كما تعاون مع لطفي زيني، وأسسا معًا شركة «رياضفون» العام 1966. وشارك، لاحقًا، في بطولة مسلسل "الأصيل"، كما ظهر في أحد أوائل الفيديو كليبات في تاريخ بلده من خلال أغنية «عيني علينا».
شكلت السبعينيات مرحلة الانطلاق الأوسع في مسيرة طلال مداح، مع غزارة إنتاجه وتعاونه مع أسماء بارزة، مثل: الأمير بدر بن عبدالمحسن، والأمير محمد عبدالله الفيصل، والملحن سراج عمر.
وخلال هذه الفترة قدم عددًا من أشهر أعماله، من بينها: "زمان الصمت"، و"مقادير"، و"أغراب"، و"لا تقول"، و"ولا وعد"، كما حقق حضورًا لافتًا على مسارح القاهرة، وقدم مقطوعات موسيقية من بينها "ليالي البرازيل".
في عقد الثمانينيات اتجه طلال إلى الأغاني القصيرة، وقدم أعمالًا، مثل: "أحبك كثر خطوات الثواني"، و"زلزليني"، و"بسكات".
وبعد فترة من الابتعاد عن الساحة المحلية بسبب إقامته في لندن وتنقله بين لندن والمغرب، عاد إلى الطائف، العام 1985، وشارك في حفل افتتاح بطولة كأس العرب لكرة القدم، وحصل تقديرًا لمشاركته على وسام الاستحقاق من الدرجة الثانية من الملك فهد بن عبدالعزيز. وفي العام 1986 أصدر ألبوم "سيدي قم"، ليواصل بعد ذلك إصدار الألبومات خلال عقد التسعينيات.
اتجه طلال مداح في التسعينيات بدرجة أكبر إلى إعادة تقديم عدد من أعماله القديمة بتوزيعات جديدة، كما أعاد غناء بعضها في جلسات طربية على العود، إلى جانب مواصلة إصدار الألبومات والتعاون مع عدد من الملحنين.
وشهدت هذه المرحلة أيضًا عودته إلى التعاون مع ملحنين مصريين، قبل أن تنتهي مسيرته الفنية برحيله العام 2000.
تحتل أغنية "مقادير" مكانة خاصة في أرشيف طلال مداح، وهي من كلمات الأمير محمد عبدالله الفيصل، وألحان سراج عمر، وقد تحولت إلى واحدة من أكثر أعماله انتشارًا.
وساعدت لغة الأغنية القريبة من اللهجة البيضاء، ولحنها السهل، على وصولها إلى جمهور عربي واسع، كما أعاد عدد من الفنانين تقديمها لاحقًا، لتصبح من أكثر الأغنيات ارتباطًا باسم طلال مداح.

ارتبط اسم طلال مداح بعدد من الألقاب، أبرزها: "قيثارة الشرق" و"فيلسوف النغم الأصيل" و"الحنجرة الذهبية" و"زرياب العصر"، إلا أن لقب "صوت الأرض" ظل الأكثر التصاقًا به.
ويرتبط اللقب بصوته ومسيرته الفنية، وبما قدمه من أعمال أسهمت في ترسيخ حضور الأغنية السعودية وتعريف الجمهور العربي بها. وبقي "صوت الأرض" حاضرًا بقوة بعد رحيله، حتى حملت ليلة التكريم الكبرى التي أقيمت له في الرياض، العام 2023، اسم "ليلة صوت الأرض".
ارتبط اسم طلال مداح بمجموعة من الريادات في تاريخ الفن السعودي، إذ كان من أوائل الفنانين السعوديين الذين خاضوا تجارب الإنتاج والتمثيل السينمائي، وطبع الأسطوانات، وأقام الحفلات العامة داخل المملكة، وطور الأغنية المحلية وفق أسلوب الكوبليهات.
كما وصلت أعماله إلى محطات إذاعية في عدد من العواصم والمدن حول العالم، وحصل على الأسطوانة الذهبية، وسجل في جمعية المؤلفين والموسيقيين الفرنسية، وكان من أوائل الفنانين الخليجيين الذين وصلت أعمالهم إلى التلفزيون الفرنسي.
في 11 أغسطس/آب 2000، انتهت حياة طلال مداح في المكان الذي رافقه طوال عقود، أي على خشبة المسرح.
فخلال إحيائه حفلًا غنائيًا على مسرح المفتاحة في مدينة أبها، سقط طلال مداح أمام جمهور كبير، ليرحل عن عمر ناهز 60 عامًا، وتتحول لحظة وفاته إلى واحدة من أكثر الوقائع رسوخًا في ذاكرة الفن السعودي والعربي.
لم يتوقف تأثير طلال مداح بغيابه، إذ بقيت أغانيه وألحانه حاضرة في الذاكرة الفنية، كما أعاد فنانون من أجيال مختلفة تقديم عدد من أعماله.
وبفضل صوته المميز، وألحانه، وعلاقته بالموروث الموسيقي، أصبح طلال مداح علامة فارقة في تاريخ الأغنية السعودية، ورمزًا لمرحلة انتقلت خلالها الأغنية المحلية إلى جمهور عربي أوسع.
وبعد سنوات من رحيله، استمر الاحتفاء بإرثه؛ فأطلق اسم طلال مداح على مسرح المفتاحة في أبها منذ العام 2019، بينما حملت ليلة التكريم الكبرى التي أقيمت في الرياض، العام 2023، اسم "ليلة صوت الأرض"، في تأكيد على المكانة التي احتفظ بها الفنان في الذاكرة الفنية العربية.