تحل ذكرى رحيل الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي، أحد أبرز رواد الشعر العربي الحديث، الذي ترك بصمة استثنائية في مسيرة القصيدة العربية من خلال تجربته التي مزجت بين الحنين إلى الوطن، وألم الغربة، وأسئلة الإنسان في مواجهة المنفى والاغتراب.
ورحل البياتي في 3 أغسطس/آب عام 1999 عن عمر ناهز 73 عامًا، بعد مسيرة أدبية امتدت لعقود وأسهم خلالها في تجديد شكل القصيدة العربية ومضامينها.
لم يكن شعر البياتي مجرد تعبير عن تجربة شخصية، بل تحول إلى سجل مفتوح للمنفى والبحث عن الحرية والعدالة، إذ رافقت حياته سلسلة من الرحلات بين عواصم مختلفة، انعكست تفاصيلها على قصائده التي حملت دائمًا إحساس الإنسان الباحث عن مكان ينتمي إليه.

ولد عبد الوهاب البياتي عام 1926 في بغداد، ونشأ في بيئة شعبية كان لها أثر واضح في تكوين رؤيته الشعرية والإنسانية. درس اللغة العربية وآدابها، وبدأ مسيرته الأدبية في مرحلة شهدت تحولات كبيرة في الثقافة العربية، ليصبح لاحقًا واحدًا من الأسماء التي ارتبطت بحركة التجديد الشعري.
ظهر اسم البياتي بقوة مع صدور ديوانه الأول "ملائكة وشياطين" عام 1950، ليبدأ بعدها رحلة طويلة من الكتابة التي تجاوزت الأشكال التقليدية، واعتمدت على الرموز والأساطير والتجارب الإنسانية الواسعة.
ارتبط اسم عبد الوهاب البياتي بصورة الشاعر المسافر الذي حمل وطنه معه أينما ذهب، فقد عاش متنقلًا بين عدد من البلدان، وعمل في مجالات مختلفة بينها التعليم والعمل الثقافي والدبلوماسي، كما أقام فترة في موسكو وإسبانيا، وهي مراحل تركت أثرًا واضحًا في تجربته الشعرية.
وكان المنفى حاضرًا بقوة في أعماله، ليس بوصفه ابتعادًا جغرافيًا فقط، بل باعتباره حالة إنسانية عميقة تتعلق بالغربة والبحث عن الهوية والمعنى. ولهذا ارتبط اسمه بلقب "شاعر الحنين والمنافي"، بعدما جعل من تجربة الرحيل والعودة محورًا أساسيًا في كثير من نصوصه.

يُعد عبد الوهاب البياتي واحدًا من أبرز الشعراء الذين ساهموا في انتقال القصيدة العربية إلى مساحات جديدة، إلى جانب أسماء مثل بدر شاكر السياب ونازك الملائكة، حيث شارك في ترسيخ اتجاهات الشعر الحديث والابتعاد عن القوالب التقليدية.
واعتمد في كتاباته على توظيف التاريخ والتراث والأسطورة، كما منح قصيدته أبعادًا فلسفية وإنسانية جعلتها مفتوحة على قضايا كبرى مثل الحرية والثورة والحب والموت.
ترك البياتي خلفه عشرات الأعمال التي أصبحت جزءًا من المكتبة الشعرية العربية، ومن أبرز دواوينه:
كما كتب دراسات وأعمالًا نثرية تناولت تجارب شعرية وأدبية مختلفة، إضافة إلى أعمال مسرحية مثل "محاكمة في نيسابور".
خلال مسيرته الطويلة، خاض البياتي تجارب متعددة بين الشعر والسياسة والثقافة، وعاش فترات من الاستقرار وأخرى من الرحيل، الأمر الذي جعله قريبًا من فكرة الإنسان الذي يبحث باستمرار عن وطن أوسع من الحدود الجغرافية.
وفي سنواته الأخيرة، استقر في دمشق، المدينة التي احتضنت آخر مراحل حياته، قبل أن يرحل فيها عام 1999، تاركًا إرثًا شعريًا ما زال حاضرًا في الدراسات الأدبية والقراءات النقدية.
بعد أكثر من عقدين على رحيله، لا يزال عبد الوهاب البياتي حاضرًا بوصفه أحد الأصوات المؤسسة في الشعر العربي الحديث، إذ بقيت قصائده شاهدة على تجربة شاعر جعل من الغربة مادة للإبداع، ومن الحنين طريقًا لاستعادة الوطن.
فقد كتب البياتي عن الإنسان قبل المكان، وعن أحلام الذين يحملون أوطانهم في ذاكرتهم، ليبقى اسمه مرتبطًا بقصيدة عربية خرجت من حدود الشكل إلى فضاء التجربة والحياة.