جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا
حصري

من التخرج إلى الاستقلالية.. مريم البرغوثي تشرح كيف يبدأ الطريق

نُشر: آخر تحديث:

يُعد الانتقال من المدرسة أو الجامعة إلى الحياة العملية من أكثر المراحل حساسية في حياة الشاب.

وفي دولة الإمارات، حيث ينشأ كثير من الأبناء في بيئة أسرية داعمة ومترابطة، قد يكون السفر للدراسة أو العمل في الخارج تجربة تجمع بين الحماس والقلق والمسؤولية.

فبعد سنوات من السعي نحو هدف واضح، مثل التخرج، يجد الشاب نفسه أمام أسئلة أوسع عن هويته، اختياراته، ومستقبله.

فالتخرج لا يعني نهاية مرحلة فقط، بل يعني أيضاً فقدان روتين مألوف، وجدول واضح، وأهداف محددة اعتاد الشاب أن ينظم حياته حولها.

وبعد أن كانت الأسئلة مرتبطة بالاختبارات والدرجات، تصبح مرتبطة بالاختيار والمسار: ماذا أريد أن أفعل؟ هل يناسبني هذا التخصص؟ وماذا لو تغيرت الخطة؟

بين الاستقلال والخوف يتردد الخريجون

امرأة عاملة

من الطبيعي أن يمر بعض الشباب بفترة من الحيرة أو القلق بعد التخرج. فهذه المرحلة لا تعني الفشل، بل تعكس انتقالاً من حياة تعتمد على التوجيه الخارجي إلى حياة تتطلب قدراً أكبر من المبادرة، وتنظيم الذات، واتخاذ القرار.

وفي هذا الموضوع، حاورنا مريم البرغوثي، أخصائية علم نفس سريري للمراهقين والبالغين لدى «عيادات سيج»، للتعرف على الأسباب النفسية التي تقف وراء هذه الحيرة، وكيف يمكن للشاب التعامل معها بصورة أكثر وعياً وتوازناً.

ما المقصود بالاستقلال الحقيقي؟

غالباً ما يُختزل الاستقلال في القدرة على كسب المال ودفع الفواتير، غير أن الاستقلال النفسي لا يقل أهمية عن الاستقلال المالي. فالشخص المستقل هو من يستطيع اتخاذ قراراته، وتحمل نتائجها، وطلب المساعدة عند الحاجة، دون أن يشعر بأن كل قرار يجب أن يكون مثالياً.

فقد يعرف الشاب الذي يدرس في لندن أو أستراليا كيف يدير مصروفه، لكنه قد يواجه صعوبة في التعامل مع الوحدة، أو اختيار السكن، أو تنظيم وقته، أو التصرف في موقف غير متوقع. في هذه اللحظات تظهر قيمة الاستقلال النفسي، لا المالي فقط.

ولا يعني الاستقلال الابتعاد عن الأسرة. يمكن للشاب أن يكون مستقلاً وقريباً من والديه في الوقت نفسه. المهم أن ينتقل دور الوالدين من حل المشكلة بالكامل إلى مساعدة الابن على التفكير بهدوء في خياراته ومسؤوليته تجاهها.

بناء الثقة بالنفس يبدأ قبل السفر

الثقة بالنفس لا تُبنى بمجرد إخبار الشاب بأنه قادر على كل شيء، بل عبر فرص حقيقية يختبر فيها قدراته. ويمكن للوالدين البدء قبل السفر بوقت كافٍ، من خلال تكليفه بإدارة جزء من ميزانيته، ترتيب مواعيده، استخدام وسائل النقل، التعامل مع إجراء إداري، أو التخطيط لنشاط قصير بمسؤولية.

قد تبدو هذه التفاصيل بسيطة، لكنها تبني داخله شعوراً عملياً بأنه قادر على التصرف، وأن التجربة، حتى حين لا تسير كما توقع، يمكن أن تكون فرصة للتعلم لا سبباً للخوف.

ومن المهم أيضاً أن يتعلم أن الأخطاء جزء من الاستقلال. فإذا نسي موعداً، أو أخطأ في ميزانيته، أو اتخذ قراراً غير موفق، فإن تدخل الوالدين فوراً قد يخفف المشكلة مؤقتاً، لكنه قد يحرمه من فرصة التعلم الهادئ وتحمل المسؤولية.

وماذا عن المقارنة بالآخرين؟

مع وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت المقارنة أكثر حضوراً من أي وقت مضى. قد يرى الشاب زميلاً حصل على وظيفة مرموقة، وآخر سافر للدراسة، وثالثاً بدأ مشروعاً ناجحاً، فيشعر أنه متأخر عن الجميع.

لكن ما يظهر على المنصات ليس الصورة كاملة. فلكل شخص ظروفه وتوقيته، والنجاح بعد التخرج ليس سباقاً ولا مساراً واحداً يصلح للجميع.

يمكن للوالدين تخفيف أثر المقارنة بالتركيز على التقدم الشخصي، كأن يسألوا: ماذا تعلمت هذا الشهر؟ وما الخطوة التي تريد القيام بها الآن؟ بدلاً من: لماذا لم تصبح مثل فلان؟

أخبار ذات صلة

شهناز حمادة

شهناز حمادة لـ"فوشيا": النجاح لا يعوّض الاستنزاف

ماذا لو لم تسر الأمور كما خُطط لها؟

من أكثر ما يضغط على الشباب الاعتقاد بأن الخطة يجب أن تسير كما رُسمت تماماً. فقد يواجه الشاب رفضاً من جامعة أو وظيفة، أو يكتشف أن تخصصه لا يناسبه، أو يمر بفترة وحدة في الخارج.

في مثل هذه اللحظات، يحتاج إلى أن يعرف أن تعديل الخطة لا يعني الفشل. فالخطة اتجاه عام قابل للمراجعة، وليست عقداً مغلقاً لا يجوز تغييره.

ومن المفيد أن يناقش الوالدان معه مسبقاً السيناريوهات غير المتوقعة: من ستتصل به إذا شعرت بالوحدة؟ كيف ستتصرف عند ضائقة مالية؟ ومتى يكون طلب الدعم هو القرار الأكثر نضجاً؟

دور الوالدين: الدعم من دون السيطرة

إعداد الأبناء للاستقلال لا يعني تركهم يواجهون الحياة وحدهم، بل يعني منحهم الأدوات وشبكة الأمان معاً. يحتاج الشاب إلى أن يعرف أن هناك من يدعمه، وفي الوقت نفسه إلى مساحة يستخدم فيها مهاراته بنفسه.

وأهم رسالة يمكن أن يسمعها قبل خروجه إلى الحياة المستقلة هي: نحن نثق بك، وإذا أخطأت فهذا لا يلغي ثقتنا بك، ويمكنك دائماً العودة إلينا وطلب المشورة.

فالاستقلال الحقيقي لا يبدأ يوم يحمل الشاب حقيبته ويغادر؛ بل يبدأ قبل ذلك بسنوات، من خلال مسؤوليات صغيرة، وقرارات حقيقية، وأخطاء آمنة، وحوار مفتوح داخل الأسرة.

ويمكن تحويل هذا الدعم إلى خطوات عملية: الاتفاق على تواصل منتظم لا يتحول إلى رقابة يومية، تشجيع الشاب على محاولة حل المشكلة أولاً ثم طلب المشورة، ومراجعة أساسيات السفر مثل السكن، والميزانية، والتأمين الصحي، وجهات الاتصال في حالات الطوارئ.


وفي النهاية، لا نريد أن نربي أبناءنا ليكونوا قادرين فقط على العيش بعيداً عن المنزل؛ بل نريد أن نربيهم ليبنوا حياة بثقة ومرونة ومسؤولية، ويعرفوا متى يعتمدون على أنفسهم ومتى يطلبون الدعم. هذه هي الاستقلالية التي ترافقهم أينما أخذتهم الحياة. 

أخبار ذات صلة

التخطيط للأهداف

أخطاء تجعل أهدافك بعيدة المنال

 

logoأحدث اتجاهات الفن والأزياء والجمال على منصة واحدة
جميع الحقوق محفوظة © 2026 شركة إرم ميديا