نكوّن مع الوقت صورة ذهنية عن أنفسنا تساعدنا على فهم شخصياتنا واتخاذ قراراتنا: أنا شخصية قوية، لا أستسلم، أحب مساعدة الآخرين، لا أجيد المواجهة، أو أفضل الاستقرار على المغامرة.
لكن هذه الصورة قد تتحول تدريجياً من وسيلة لفهم الذات إلى إطار يصعب الخروج منه.
فقد تتمسكين بدور اعتدتِه لدرجة أنك تواصلين أداءه حتى عندما لم يعد يناسبك. وقد ترفضين فرصة جديدة لأنك لا ترين نفسك فيها، أو تتحملين ما يفوق طاقتك لأنك اعتدتِ أن تكوني الشخص الذي يعتمد عليه الجميع.

عبارات مثل "أنا هكذا" تبدو بسيطة، لكنها قد تغلق الباب أمام التغيير.
عندما تقولين: "أنا لا أعرف كيف أرفض"، أو "أنا لست جريئة"، أو "أنا دائماً أتحمل"، قد تتحول هذه الأوصاف مع الوقت إلى قواعد تحدد ما تسمحين لنفسك بفعله، حتى لو تغيرت احتياجاتك أو ظروفك.
الشخصية ليست قائمة ثابتة من الصفات. بعض ما نعتقد أنه جزء أساسي منا قد يكون مجرد سلوك تعلمناه وتكرر حتى أصبح مألوفاً.
قد تكون الصورة التي تحملينها عن نفسك إيجابية جداً، ومع ذلك تصبح عبئاً.
إذا كنتِ ترين نفسك دائماً امرأة قوية ومستقلة، فقد تجدين صعوبة في طلب المساعدة. وإذا كنتِ تعتبرين نفسك الأكثر تحملاً في العائلة، فقد تشعرين بالذنب عندما تقولين "لا".
حتى الصفات التي نفخر بها يمكن أن تتحول إلى أدوار نعتقد أنه يجب علينا المحافظة عليها طوال الوقت.
قد تشعرين بالارتباك عندما تتصرفين بطريقة لا تشبه الصورة التي اعتدتِها.
امرأة اعتادت إرضاء الجميع قد تشعر بأنها قاسية عندما تضع حدوداً. وشخص اعتاد الهدوء قد يشعر بأنه أصبح أنانياً عندما يدافع عن احتياجاته.
لكن الشعور بالغرابة لا يعني أن السلوك الجديد خاطئ. أحياناً يكون السبب ببساطة أنك لم تعتادي بعد على هذه النسخة منك.
لا نبني صورتنا عن أنفسنا وحدنا. الأشخاص من حولنا يساهمون أيضاً في تشكيلها من خلال الصفات التي يكررونها علينا.
قد تبدو هذه الجمل عادية أو حتى مديحاً، لكنها تصبح مشكلة عندما تشعرين بأن عليكِ التصرف وفقها حتى لا تخيبي توقعات الآخرين.
من المفيد الانتباه إلى الجمل التي تبدئينها بعبارة "أنا دائماً" أو "أنا مستحيل".
ثم اسألي نفسك: هل هذه حقيقة عني، أم سلوك اعتدت عليه؟
الفرق مهم؛ لأن الحقيقة التي نعتقد أنها ثابتة قد تكون في الواقع نمطاً قابلاً للتغيير.
لا تحتاج شخصيتك إلى صفة واحدة تفسرها بالكامل. الإنسان أكثر تعقيداً من الصورة التي يقدمها عن نفسه للآخرين.
لا تحتاجين إلى تغيير شخصيتك بالكامل. اختاري موقفاً صغيراً فقط.
إذا كنتِ معتادة على الموافقة، خذي وقتاً قبل إعطاء إجابتك. وإذا كنتِ لا تطلبين المساعدة، اقبلي بها عندما تحتاجين إليها. وإذا كنتِ تتجنبين المواجهة دائماً، عبري عن رأيك في موقف بسيط ومحترم.
راقبي شعورك بعد ذلك، لا تحكمي على التجربة من اللحظة الأولى.
قد تكتشفين أن الشيء الذي كنتِ تظنين أنك "لستِ من نوع الأشخاص الذين يفعلونه" كان مجرد شيء لم تمنحي نفسك فرصة لتجربته.
التحرر من صورة الذات الجامدة لا يعني أن تتخلي عن قيمك أو صفاتك الأساسية.
الفكرة أن تفرقي بين من أنتِ فعلاً، وبين الدور الذي اعتدتِ أداءه.
إذا كانت المسؤولية قيمة مهمة بالنسبة إليك، احتفظي بها، لكن ليس ضرورياً أن تتحملي كل شيء وحدك. وإذا كان الهدوء جزءاً من شخصيتك، يمكنك الحفاظ عليه مع التعبير عن غضبك عندما يكون ذلك ضرورياً.
قد تكون الصورة التي كانت مناسبة لك في العشرين مختلفة عن الصورة التي تناسبك اليوم. وهذا طبيعي.
تتغير المسؤوليات والعلاقات والأولويات، ومن الطبيعي أن تتغير معها بعض اختياراتك وطريقة تعاملك مع الحياة.
لا يعني تغيير رأيك أو أسلوبك أنك أصبحتِ شخصاً آخر، بل قد يعني أنك أصبحتِ أكثر وعياً بما يناسبك الآن.
أحياناً لا يكون العائق أمام التغيير هو الخوف من المجهول، بل الخوف من مخالفة الصورة التي اعتدناها عن أنفسنا.
لذلك، لا تسألي فقط: "من أنا؟" بل اسألي أيضاً: "هل ما أفعله اليوم يعبر عني فعلاً، أم عن نسخة قديمة اعتدت أن أكونها؟".
قد تكون بعض الحدود التي تضعينها لنفسك ضرورية، لكن بعضها الآخر قد يكون مجرد تعريف قديم لم يعد يناسب حياتك الحالية.