من قلب الصحراء الأردنية، اختار المصمم الأردني بهاء عيسى أن يعلن عن ولادة هويته الخاصة في عالم الأزياء، مقدّمًا أول مجموعة تحمل اسم BABO ISSA تحت عنوان "همس الصحراء".
لا يرى عيسى المجموعة كمجرد تشكيلة من فساتين الأزياء الراقية، بل خلاصة عشر سنوات من التجارب والفشل والإحباط والتعلّم، وصولًا إلى اللحظة التي قرر فيها التوقف عن البحث عن نفسه في تجارب الآخرين، والبدء برسم هويته الخاصة.
في مقابلة خاصة مع موقع "فوشيا"، يكشف بهاء عيسى أن اختياره للصحراء الأردنية كمصدر إلهام لم يكن قرارًا جماليًا فحسب، بل كان رغبة في تقديم صورة مختلفة عن بلده، انطلاقًا من تفاصيل ربما تبدو للعين العابرة بسيطة، لكنها بالنسبة إليه غنية بالألوان والقصص.
اخترت الأردن مصدرًا للإلهام لما يمتلكه من تنوع كبير، سواء من الناحية الجغرافية أو المناخية، فضلًا عن التفاصيل والميزات الكثيرة التي يمكن أن تشكل مصدر إلهام لأي مصمم.
أردت أن يجسد أول كولكشن يحمل هوية BABO ISSA هذا الإبداع بطريقة مختلفة، وأعتقد أنني أخرجت في هذه المجموعة كل طاقتي وإبداعي، مع إيماني بأن الإبداع بالنسبة إليّ لا حدود له.
أما الصحراء الأردنية تحديدًا، فشعرت بأن أحدًا لم يحاول استلهامها بالطريقة التي كنت أتخيلها. قد تبدو للبعض مجرد مساحة خالية، لكنني رأيت فيها تفاصيل كثيرة جدًا؛ أنواع التربة وألوانها وتدرجاتها، إلى جانب الصخور والحجارة، كل لون وكل تفصيل بالنسبة إليّ يحمل دلالة وقصة. كما أردت، كمصمم أردني يتجه إلى العالم، أن أخرج بهويتي وأقول بوضوح: أنا أردني، وأنا مصمم أزياء، ولدي حلم، واستطعت أن أستلهم أول مجموعة تحمل اسمي من صحراء بلدي.
اخترت اسم "همس الصحراء" أولًا بسبب هدوء الصحراء وعمق أسرارها، فمن الخارج قد تبدو هادئة وفارغة، لكن عندما تتأملها تكتشف أنها مليئة بالتفاصيل والقصص، وهذا الأمر شعرت أنه قريب مني جدًا.
أما عن انعكاس رحلة السنوات العشر على المجموعة، فقد حاولت أن أضع فيها جميع المراحل التي مررت بها؛ اليأس والفشل والإحباط، وحتى مرحلة غياب الدعم المعنوي. لكن وسط كل ذلك، كان هناك دائمًا صوت داخلي يعيدني بعد كل فشل ويقول لي: "انهض وواصل".
وكنت بشكل تلقائي أعود إلى القلم والورقة وأبدأ برسم اسكتشات وتصاميم جديدة وكأن الأزياء في كل مرة أسقط فيها كانت الشيء الذي يعيدني إلى الوقوف من جديد.
الاختلاف الأساسي هو أنني وضعت هويتي فيها، وحاولت أن أكون نفسي فعلًا. في السابق، كنت أتأثر دائمًا بمصممين معينين، وفي كل مرة كنت أنجز فيها مجموعة وأعود لأتأملها، أشعر بأنها لا تمثلني، وأقول لنفسي "هذا ليس بابو عيسى، هذا ليس أنا"، فأقرر التراجع عن طرحها، إلى أن وصلت إلى قناعة بأنني إذا أردت أن أكون مصمم أزياء حقيقيًا وأن أصل إلى كل ما أحلم به، فلا بد أن تكون لدي هويتي الخاصة ولمستي وإبداعي.
عندها قررت الابتعاد قليلًا عن وسائل التواصل الاجتماعي وعن كل ما يمكن أن يؤثر في رؤيتي، وأن أترك نفسي مع القلم والورقة فقط، بدأت أرسم من داخلي، بعيدًا عن التفكير فيما يقدمه الآخرون أو ما هو رائج في عالم الموضة.
ترجمت هذا الإلهام من خلال تدرجات الألوان والتفاصيل الموجودة في الصحراء الأردنية، فعندما تنظر إلى وادي رم مثلًا، ترى تدرجات لونية كثيرة وساحرة وملفتة، بدءًا من ألوان الرمل والتراب وصولًا إلى ألوان الصخور والحجارة.
أردت أن آخذ هذه التدرجات وأترجمها في أول فستان، الذي يمكن أن نطلق عليه اسم الـGold Dress، وكان هذا أحد مصادر الإلهام الأولى بالنسبة إليّ.
أما الأحجار، فكانت بالنسبة إليّ انعكاسًا للتراث الموجود في بلدي، فالأردن يمتلك إرثًا تاريخيًا كبيرًا، من جرش والمدرج الروماني إلى جبل القلعة، وغيرها من المواقع والآثار الكثيرة. لذلك حاولت أن يحمل كل حجر وضعته على الفساتين صلة، بطريقة أو بأخرى، بالأحجار والتراث الموجود في الأردن.
أما بقية الفساتين، فاستلهمت ألوانها أيضًا من أحجار الأبنية القديمة في عمّان، ولا سيما اللون البيج المعتّق الذي نراه في الحجر الأردني.
كل فستان في "همس الصحراء" يحمل قصة، وكل فستان لمسني بطريقة معينة، الفستان الذهبي، مثلًا، يمثل بالنسبة إليّ "السحر"، استخدمت فيه تقنية معينة كنت أحبها وتعلمتها في بداياتي من خلال المراقبة والتعلم من عرّابي في هذا المجال، ليث معلوف. لذلك كان بالنسبة إليّ مزيجًا بين شيء تعلمته وشيء طورته بطريقتي الخاصة.
أما الجانب الدراماتيكي في المجموعة، فقد أسرني لأنه قريب من شخصيتي، أنا بطبيعتي شخص حساس جدًا، وهذه التفاصيل والمشاعر تلمسني وتعني لي الكثير. لذلك عملت على كل فستان بصدق وحب ومشاعر حقيقية.
كل فستان بالنسبة إليّ يمثل قصة؛ قصة طموح وإصرار وحلم وتعب وصعوبات ويأس مررت به، لكنها جميعًا اجتمعت في النهاية عند شيء واحد: الحلم، وأسميها "طفلي الأول"، لأنها أول مجموعة تحمل هويتي وتخرج إلى العالم باسمي.
أصعب مرحلة كانت الصدمة الأولى بعد تخرجي في الجامعة بتخصص تصميم الأزياء، عندما واجهت واقع العمل واكتشفت أنه مختلف جدًا عما كنت أتخيله. كان عليّ أن أتعلم الجانب المهني للمهنة بكل تفاصيله، تعلمت الخياطة والتشطيبات، والعمل على المكواة. مررت بمراحل كثيرة، وكما نقول، لم أصعد السلم دفعة واحدة، بل درجة درجة، وربما أقل من درجة أحيانًا.
ثم جاءت الصدمة الثانية، وهي الجانب المادي، كنت أعتمد عليه وأعتبره الشيء الذي سيمنحني بداية قوية لأبدأ مشواري في تصميم الأزياء، لكنه اختفى في مرحلة من مراحل حياتي، واضطررت إلى أن أقف على قدميّ من الصفر وأعيد بناء كل شيء.
والأصعب أنني في ذلك الوقت لم أكن أعرف أصلًا أن هناك عالم أزياء حقيقيًا في الأردن، ولم أكن أعرف بوجود مصممين أزياء أردنيين. لذلك عندما جاءتني فرصة العمل مع ليث معلوف، كانت بالنسبة إليّ بمثابة البوابة إلى حلمي، أخذ بيدي وأدخلني إلى هذا العالم، وجعلني أرى تفاصيله وكواليسه، وتعلمت منه الكثير؛ من تقنيات العمل إلى التصوير، وكيفية إعداد مجموعة، وكيف يفكر المصمم ويحوّل الفكرة إلى شيء حقيقي. وبصراحة، أعاد إليّ الشغف بمجال تصميم الأزياء.
أما هل فكرت في ترك حلمي؟ نعم، فكرت كثيرًا. وصلت إلى مرحلة أخذت فيها جميع الاسكتشات التي رسمتها منذ أيام الجامعة وأحرقتها، كنت يائسًا، وواجهت الكثير من الصدمات والفشل.
تجربتي مع ليث معلوف كانت جميلة جدًا، ولو أتيحت لي اليوم فرصة العودة إلى العمل معه، فلن أتردد لحظة.
ليث لم يكن مجرد مصمم عملت معه؛ كان صديقًا، وكان عرّابي في هذا المجال، هو أول مصمم عرفت من خلاله عالم تصميم الأزياء الحقيقي، ومن خلاله بدأت أرى التفاصيل والكواليس التي كنت أجهلها.
كان أسلوبه في الرسم وطريقة عمله يلفتانني دائمًا، خصوصًا فكرة "السهل الممتنع كما أن مدرسة ليث معلوف كانت، بطريقة أو بأخرى، قريبة من مدرسة إيلي صعب، لذلك شعرت أنني تعلمت من مدرستين في تجربة واحدة: مدرسة ليث معلوف ومدرسة إيلي صعب وكان لذلك تأثير كبير في تكوين رؤيتي للـCouture.
وفي النهاية، لم يكن هدفي أن أكون نسخة عن أي مدرسة، وإنما أن آخذ ما تعلمته وأطوره وأبني هويتي الخاصة.
BABO ISSA هي بداية الطريق بالنسبة إليّ، وبداية الطريق لتسليط الضوء بشكل أكبر على عالم تصميم الأزياء في الأردن، لدينا العديد من أسماء المصممين الأردنيين الذين وصلوا إلى أماكن مهمة حول العالم، وشاركوا في أسابيع الموضة والفعاليات والمعارض العالمية.
أنا مؤمن تمامًا بأن المصمم الأردني قادر على الوصول إلى أماكن مهمة، وقادر على وضع بصمته على الساحة العالمية. وما دام الإنسان قادرًا على الوصول إلى كأس العالم، فلا أعتقد أن هناك شيئًا مستحيلًا عليه.
بعد خمس سنوات، أطمح أن يكون اسم المصمم بابو عيسى من بين الأسماء المهمة والبارزة بين المصممين الأردنيين والعرب، وأن يكون حاضرًا بقوة على الساحة العالمية أيضًا.
نعمل حاليًا على مجموعة جديدة ستكون، بإذن الله، خطوة أقوى في مسيرتنا، وتحمل تطورًا أكبر لهوية بابو عيسى وبصمته الخاصة.
بالنسبة إليّ، "همس الصحراء" لم تكن نهاية الحلم، بل كانت الإعلان عن بدايته. الآن بدأ الحلم، وبدأ المشوار الحقيقي.
ورؤيتي لـBABO ISSA أكبر من مجرد اسم مصمم؛ أطمح إلى أن تتحول إلى دار أزياء أردنية متكاملة، تمتلك هوية واضحة وبصمة خاصة، وتحمل روح الأردن إلى العالم من خلال الـCouture، وتكون قادرة على منافسة أهم دور الأزياء عربيًا وعالميًا.