مع اتساع استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج المحتوى والأعمال الإبداعية، تبرز أسئلة متزايدة حول صاحب العمل الذي تنتجه الخوارزميات، وحدود تدخل التقنية في العملية الإبداعية، وكيفية حماية حقوق المؤلفين والمبدعين.
وفي هذا السياق، أصدرت وزارة الثقافة السعودية دليلاً بعنوان "أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي في القطاع الثقافي"، يضع مجموعة من المبادئ والإرشادات لتنظيم التعامل مع التقنيات الذكية، مع التركيز على الأصالة والملكية الفكرية والشفافية والمسؤولية البشرية.
ويخاطب الدليل المؤسسات الثقافية والممارسين في مختلف المجالات، إلى جانب مطوري تقنيات الذكاء الاصطناعي، في محاولة لتحقيق توازن بين الاستفادة من قدرات التقنية والحفاظ على خصوصية الإبداع والهوية الثقافية.

يغطي الدليل 11 قطاعاً ثقافياً، ويحدد أنماطاً محتملة لإساءة استخدام الذكاء الاصطناعي في كل قطاع، إلى جانب إرشادات تساعد على توظيف هذه التقنيات بصورة أكثر مسؤولية.
ويرتكز الإطار الإرشادي على سبعة مبادئ رئيسية، تتصل بحماية السلامة والأصالة الثقافيتين، وصون ملكية الأعمال الإبداعية وضمان نسبها إلى أصحابها.
كما يتناول الدليل أهمية الشفافية وقابلية تفسير استخدام الذكاء الاصطناعي، والالتزام بالأنظمة المتعلقة بالبيانات، إلى جانب الاستخدام العادل والأخلاقي للتقنيات الذكية.
ويشمل ذلك أيضاً توظيف الذكاء الاصطناعي في تمكين الإبداع وتعزيز الوصول إلى المحتوى الثقافي، مع وضع حماية خصوصية البيانات ضمن المبادئ الأساسية للتعامل مع هذه التقنيات.
لا تتوقف الأسئلة التي يطرحها الذكاء الاصطناعي عند حدود استخدام أدواته في إنتاج الصور أو النصوص أو الأصوات، بل تمتد إلى مصادر البيانات التي تعتمد عليها النماذج في التدريب، وطبيعة الحقوق المرتبطة بالأعمال المستخدمة، وحدود مساهمة الإنسان في المنتج النهائي.
وتزداد أهمية هذه المسائل مع دخول الذكاء الاصطناعي التوليدي إلى قطاعات تعتمد بصورة مباشرة على الإبداع البشري، ما يضع المؤسسات الثقافية والممارسين أمام تحديات جديدة تتعلق بنسبة الأعمال، وحقوق أصحابها، والتمييز بين المساعدة التقنية والإنتاج الإبداعي.
ومن هنا يركز الدليل السعودي على ضرورة حماية الملكية الفكرية ونسبة الأعمال إلى أصحابها، باعتبارهما جزءاً أساسياً من العلاقة بين التقنية والإبداع.
ولا تأتي الخطوة السعودية بمعزل عن نقاش عربي أوسع حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المجالات الثقافية.
ففي قطر، نظمت وزارة الثقافة في فبراير/شباط 2026، بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم "ألكسو"، ورشة حول استخدام الذكاء الاصطناعي لخدمة الثقافة العربية، تناولت مجالات متعددة، بينها حفظ التراث وإنتاج المحتوى الثقافي وتوزيعه، إلى جانب دعم اللغة العربية واللهجات المهددة بالاندثار وتطوير الصناعات الثقافية والإبداعية.
وتطرقت الورشة كذلك إلى ميثاق أخلاقيات الذكاء الاصطناعي الذي أطلقته "ألكسو"، بوصفه إطاراً مرجعياً يركز على مبادئ مثل الشفافية والعدالة والسيادة الرقمية وحماية البيانات.
تكشف هذه المبادرات عن انتقال النقاش حول الذكاء الاصطناعي من الجانب التقني إلى أسئلة أكثر ارتباطاً بمستقبل الثقافة والإبداع، خصوصاً مع اتساع استخدام الأدوات التوليدية في إنتاج المحتوى.
وفي عدد من الدول العربية، ظهرت مشروعات وفعاليات ومبادرات تربط الذكاء الاصطناعي بالثقافة والصناعات الإبداعية، إلا أن الأطر التنظيمية المتخصصة لا تزال في طور التشكل مقارنة بسرعة انتشار هذه التقنيات.
وتبقى أهمية الدليل السعودي مرتبطة بقدرته على الانتقال من المبادئ العامة إلى تطبيقات عملية داخل المؤسسات والقطاعات الثقافية، خصوصاً في ما يتعلق بحماية حقوق المبدعين، والشفافية في استخدام البيانات، والحفاظ على الأصالة الثقافية.
ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، تبدو حوكمة استخدام التقنية في القطاع الثقافي مرشحة لأن تصبح جزءاً أكثر حضوراً في السياسات الثقافية، في محاولة لتحديد حدود العلاقة بين الإنسان والآلة، وضمان ألا تأتي سرعة الابتكار على حساب حقوق أصحاب الإبداع.