لم تعد مواجهة نظريات المؤامرة والمعلومات المضللة تقتصر على تصحيح الحقائق أو تقديم الأدلة المضادة، بعدما دخل الذكاء الاصطناعي إلى هذا المجال بقدرة على بناء حوار مخصص مع كل شخص وفق المعتقدات والأسباب التي تدفعه إلى تصديق نظرية معينة.
وتشير نتائج دراسة علمية إلى أن الحوار مع روبوت يعتمد على الذكاء الاصطناعي تمكن من خفض مستوى الإيمان بنظريات المؤامرة لدى المشاركين بنحو 20%، مع استمرار هذا التأثير حتى بعد مرور شهرين على التجربة.
تنتشر الأفكار والمعلومات بسرعة هائلة عبر المنصات الرقمية، وهو ما يحمل جوانب إيجابية، مثل القدرة على حشد المساعدات لضحايا الكوارث خلال وقت قصير، لكنه يتيح في الوقت نفسه انتشار المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة بالسرعة ذاتها.
وتشير استطلاعات إلى أن أكثر من نصف الأمريكيين يؤمنون بنظرية مؤامرة واحدة على الأقل، فيما توضح الأدلة البحثية أن بعض الأشخاص قد يتمسكون بهذه المعتقدات حتى عند مواجهتهم بأدلة تثبت عدم صحتها.
ويرتبط ذلك، وفق التفسيرات النفسية، باحتياجات أعمق من مجرد البحث عن معلومة، بينها الرغبة في الشعور بالسيطرة والانتماء والحصول على قدر من اليقين في عالم مليء بالشكوك.
وسبق للباحثين اختبار طرق متعددة للحد من انتشار نظريات المؤامرة، من بينها تدريب الأفراد على مهارات التفكير النقدي ودفعهم إلى مراجعة قناعاتهم والتشكيك فيها.
ولكن هذه الأساليب لم تحقق نتائج ثابتة في جميع الحالات، ما دفع الباحثين إلى اختبار طريقة مختلفة تعتمد على قدرة الذكاء الاصطناعي على تحليل معتقدات الأشخاص والتفاعل معها بصورة فردية.
طوّر أساتذة من جامعة كورنيل، وهم ديفيد راند وغوردون بينيكوك، بالتعاون مع عالم النفس في جامعة كارنيغي ميلون توم كوستيلو، روبوت محادثة يعمل بالذكاء الاصطناعي يحمل اسم "ديبنك بوت"، بهدف اختبار إمكانية استخدام التكنولوجيا في الحد من الإيمان بنظريات المؤامرة الزائفة.
وتقوم الفكرة على مبدأ بسيط: لا يؤمن جميع الأشخاص بالنظرية نفسها للأسباب نفسها، وبالتالي فإن الرد الموحد قد لا يكون كافياً لإقناعهم بالتراجع عن معتقداتهم.
ويعتمد ديبنك بوت على الحوار المباشر مع المستخدم، إذ يتيح له شرح النظرية التي يؤمن بها وتقديم الأدلة التي يعتقد أنها تدعمها.
وبعد ذلك يستطيع روبوت الذكاء الاصطناعي تحليل هذه الحجج واختيار المعلومات والحقائق الأكثر ارتباطاً بها، ثم تقديم رد مخصص يتعامل مع أسباب الاعتقاد نفسها بدلاً من الاكتفاء بنفي النظرية بصورة عامة.
ويرى أصحاب التجربة أن هذه القدرة تمنح الذكاء الاصطناعي ميزة مهمة، خصوصاً مع العدد الهائل من المعلومات والادعاءات التي يصعب على الإنسان الإحاطة بها خلال نقاش واحد.
واختبر الباحثون فعالية هذه الطريقة في دراسة نُشرت عام 2024 في مجلة "ساينس"، وشارك فيها 2190 بالغاً.
وطُلب من المشاركين في البداية اختيار نظرية مؤامرة يؤمنون بها، ثم شرح الأسباب التي دفعتهم إلى تصديقها، وتحديد مستوى إيمانهم بها على مقياس يتراوح بين صفر و100.
وشملت المعتقدات التي طرحها المشاركون نظريات تتعلق بأصل فيروس كوفيد-19، وادعاءات حول هجمات 11سبتمبر/أيلول، إلى جانب نظرية تتهم وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بالمسؤولية عن اغتيال الرئيس جون إف كينيدي.
وبعد تحديد المعتقدات، دخل المشاركون في حوار مع روبوت الذكاء الاصطناعي، وقدموا إليه المعلومات التي اعتقدوا أنها تدعم نظرياتهم.
وبدلاً من تقديم إجابة موحدة، تعامل الروبوت مع الحجج التي طرحها كل مشارك بصورة مباشرة، وصاغ ردوده المضادة في الوقت الفعلي استناداً إلى الأدلة والمعلومات التي ظهرت خلال الحوار.
وفي المقابل، ناقشت مجموعة أخرى مع الروبوت موضوعاً لا علاقة له بنظريات المؤامرة، وهو ما مكّن الباحثين من مقارنة النتائج وقياس أثر الحوار المتعلق بالمعتقدات نفسها.
بعد ثلاث جولات من النقاش، أعاد المشاركون تقييم درجة إيمانهم بنظرية المؤامرة التي اختاروها.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين ناقشوا معتقداتهم مع روبوت الذكاء الاصطناعي سجلوا انخفاضاً متوسطه نحو 20% في مستوى إيمانهم بنظريات المؤامرة مباشرة بعد انتهاء الحوار.
ولم يقتصر التأثير على النظريات أو المعتقدات الأقل رسوخاً، إذ ظهر أيضاً لدى أشخاص كانوا يؤكدون في بداية التجربة إيمانهم الشديد بما يعتقدونه.
ومن أبرز نتائج الدراسة أن التراجع في مستوى الإيمان لم يختفِ سريعاً بعد انتهاء التجربة، إذ ظل أثر الحوار قائماً عندما تواصل الباحثون مع المشاركين مرة أخرى بعد شهرين.
كما ظهر التأثير عبر مجموعة واسعة من نظريات المؤامرة؛ مما يشير إلى أن فاعلية الطريقة لم تكن مرتبطة بنظرية واحدة أو موضوع محدد.
وتفتح نتائج الدراسة الباب أمام استخدام الذكاء الاصطناعي في مواجهة المعلومات المضللة ونظريات المؤامرة، خصوصاً مع قدرته على تخصيص الحوار وفق معتقدات كل شخص بدلاً من التعامل مع جميع الحالات بالطريقة نفسها.
وقد يكون الجمع بين المعلومات الدقيقة وطريقة الحوار التي تراعي منطق الشخص ومصادر قناعته عاملاً مهماً في جعل الرسائل المضادة أكثر تأثيراً.
ومع ذلك، تظل هذه النتائج جزءاً من البحث المستمر حول قدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير القناعات، في وقت أصبحت فيه سرعة انتشار المعلومات المضللة تحدياً متزايداً أمام الباحثين والمنصات الرقمية والمجتمعات على حد سواء.