يتحول الفن داخل السجون إلى وسيلة لإعادة التأهيل ومنح السجناء فرصة للتعبير عن أنفسهم، من خلال مشروع يتيح لهم ابتكار أعمال فنية وبيعها عبر الإنترنت.
وفي سجن إيرلستوك بمقاطعة ويلتشاير البريطانية، يشارك سجناء في مشروع "فن السجون" بدعم من جمعية "ألا باري" الخيرية، في تجربة يقول المشاركون إنها ساعدتهم على تحسين صحتهم النفسية واكتساب شعور أكبر بالإنجاز.

يتيح مشروع "فن السجون" للسجناء فرصة استثمار مواهبهم الفنية في إطار برنامج يهدف إلى دعم إعادة التأهيل، من خلال إنتاج أعمال فنية يمكن عرضها وبيعها للجمهور عبر الإنترنت.
ويحصل المشاركون على فرصة لصناعة ما يصل إلى أربعة أعمال فنية، باستخدام مجموعة متنوعة من الأدوات التي يوفرها البرنامج، قبل عرض الأعمال للبيع والاستفادة من عائداتها.
وفق "بي بي سي" يحصل المشاركون على حقيبة تضم مستلزمات فنية متعددة، من بينها ألوان الأكريليك، وأقلام الرصاص، والألوان المائية، وأقلام الباستيل، بما يمنحهم مساحة لاختيار الأسلوب الفني الذي يناسبهم والتعبير عن أفكارهم من خلال الرسم.
ولا يقتصر المشروع على الجانب الإبداعي، إذ يرتبط أيضًا بفكرة منح المشاركين نشاطًا هادفًا يمكن أن يدعم عملية إعادة تأهيل السجناء.
يستطيع المشاركون بيع أعمالهم الفنية عبر الإنترنت، ويحصل الفنان على 50% من قيمة المبيعات، فيما يخصص النصف الآخر لتمويل شراء الأدوات والمواد الفنية اللازمة لاستمرار البرنامج ودعم مشاركين جدد.
وبهذه الآلية، يتحول العمل الفني إلى تجربة تجمع بين الإبداع والمردود، وتتيح للسجناء رؤية أعمالهم تصل إلى جمهور خارج المؤسسة الإصلاحية.
شارك أكثر من 3000 شخص في المشروع منذ انطلاقه في ستينات القرن الماضي، فيما يضم البرنامج حاليًا نحو 100 فنان من 37 سجنًا ومؤسسة للأحداث في أنحاء إنجلترا وويلز.
كما ينتظر أكثر من 1500 عمل فني دوره للعرض والبيع عبر الإنترنت، في مؤشر على حجم المشاركة واستمرار الاهتمام بالمشروع.
وقال عدد من المشاركين إن ممارسة الفن داخل السجون ساعدتهم على تحسين صحتهم النفسية وسلامتهم الذهنية، فيما وصف آخرون إنتاج الأعمال الفنية بأنه تجربة «مجزية وممتعة».
وترى لورا جوي، من الجمعية الخيرية الداعمة للمشروع، أن ممارسة الفن تمنح المشاركين فرصة حقيقية للانخراط في نشاط ذي معنى، يمكن أن يسهم في عملية إعادة التأهيل وتشجيعهم على اتخاذ خيارات أفضل.

لا يقتصر أثر المشروع على إنتاج اللوحات وبيعها، إذ تشير الجمعية إلى أن عرض أعمال المشاركين خارج أسوار السجون يمنحهم إحساسًا قويًا بالإنجاز والفخر.
وتوضح جوي أن البرنامج يمثل وسيلة تجمع بين العطاء والمردود، وتمنح الفنانين شعورًا بالاعتزاز بما تمكنوا من إنجازه، خصوصًا في بيئة قد تفتقر إلى بعض فرص التعليم الفني.
يأتي البرنامج في ظل تحديات تواجهها المؤسسات الإصلاحية، من بينها نقص التمويل والاكتظاظ، إلى جانب محدودية فرص دراسة الفنون في بعض السجون.
وترى الجمعية أن إتاحة المجال أمام المشاركين لممارسة الفن ثم مشاهدة أعمالهم معروضة خارج الزنزانات وفصول الفنون الداخلية تمنحهم تجربة مختلفة، وتفتح أمامهم مساحة للتواصل مع العالم الخارجي من خلال الإبداع.
تحمل بعض الأعمال المشاركة في المشروع قصصًا وتجارب شخصية عميقة، وتقدم رؤى عن العالم ربما تبقى غير مرئية في الظروف العادية.
ومن هنا، يصبح فن السجون أكثر من مجرد نشاط فني، فهو وسيلة للتعبير عن الذات، وبناء الثقة، واكتساب شعور بالإنجاز، إلى جانب دوره في دعم مسار إعادة تأهيل السجناء وإعادة إدماجهم في المجتمع.
يقدم مشروع "فن السجون" نموذجًا لكيفية توظيف الإبداع في برامج التأهيل، عبر منح المشاركين فرصة للتعلم والإنتاج وتحويل مواهبهم إلى أعمال تصل إلى الجمهور.
وتكشف التجربة أن الفن يمكن أن يؤدي دورًا يتجاوز الجانب الجمالي، ليصبح مساحة تساعد المشاركين على استعادة الثقة بأنفسهم، والتعبير عن تجاربهم، والنظر إلى مستقبلهم من زاوية أكثر إيجابية.