تفتح الفنانة التشكيلية والكاتبة التونسية البلجيكية سناء هيشري، نافذة جديدة على عالمها الفني، في كتابها "عروق الزمن – Les Veines du Temps"، الصادر عن دار نيرفانا للنشر والتوزيع، في عمل يجمع بين اللوحة والكلمة، وبين التجربة الإنسانية والتأمل الجمالي، ليقدم للقارئ رحلة تمتد عبر الذاكرة والزمن والإنسان.

يأتي هذا الإصدار "عروق الزمن" الثنائي اللغة، بالعربية والفرنسية، تتويجًا لمسيرة فنية امتدت لأكثر من عقدين بين تونس وبروكسل وعدد من العواصم العربية، حيث نسجت الفنانة سناء هيشري مشروعها الإبداعي القائم على البحث في الإنسان وما يتركه الزمن من أثر في الروح والملامح والوجدان.
في صفحات "عروق الزمن" تتحول الوجوه إلى خرائط إنسانية تحمل آثار الحلم والخبرة والتجربة، وتصبح الألوان سجلًا بصريًا يحفظ ما تودعه السنوات في الذاكرة، فالكتاب يقدّم المرأة بوصفها مرآة للحياة في تعاقب أجيالها، وترى سناء هيشري أن المرأة ليست ثلاث مراحل عمرية منفصلة، بل هي نهر واحد يعبر الزمن بأشكال مختلفة؛ فالطفلة تحمل ذاكرة المستقبل، والمرأة تصنع حاضر العالم، والحكيمة تحفظ كنوز التجربة الإنسانية. وفي هذا الامتداد المتواصل تنشأ لغة خفية بين الأجيال، تنتقل عبر النظرات والإيماءات والقيم والأحلام. لذلك جاءت وجوه «عروق الزمن» كأنها حوار مفتوح بين ثلاثة أزمنة تسكن الجسد نفسه، وتروي قصة الإنسان من أول دهشة إلى آخر حكمة وتختصر سناء هيشري روح هذا المشروع بقولها: الزمن يرسم عروقه في الوجوه، وأنا أكشف أسراره بالألوان وتقنياتي التشكيلية.
ويعرض كتاب "عروق الزمن" مجموعة من أعمال سناء هيشري المنجزة بأسلوبها المعروف الذي يجمع بين قوة المادة وحرية اللون، حيث تعتمد تقنيات تقوم على التراكمات اللونية والبناء المادي للسطح التشكيلي، فتمنح اللوحة عمقًا بصريًا يجعلها أقرب إلى سجل حيّ للانفعالات والمشاعر.

كما يحتفي الإصدار بتجارب سبع عشرة فنانة تشكيلية من تلميذات الفنانة سناء هيشري، تم اختيار أعمالهن ضمن مشروع ثقافي وفني، قبل أن تتم دراسته والمصادقة عليه من قبل لجنة فنية في بروكسل، وقد جاء هذا الاختيار استنادًا إلى جودة التجارب الفنية وتنوع الرؤى والأساليب التشكيلية.
ويضم الكتاب أعمال الفنانات: دلندة دريرة، سارة بن شيبوب، ليلى منتصر، الدكتورة ألفة بنعودة، فاطمة شعبوني، سارة بودن، يسرى السقا، آمنة القرمازي، آمنة بن إبراهيم، لطيفة العنابي، سهام قراندي نميسي، نعيمة حاج محمد، وفاء الإنجليز، هالة التليلي، سميرة الميلادي، كاميليا حشيشة، ونور جمل.
ويمنح حضور هذه الأسماء الكتاب ثراءً بصريًا متنوعًا، حيث تجتمع فيه تجارب تنتمي إلى أجيال مختلفة، لكنها تلتقي حول قيمة الفن باعتباره لغة قادرة على بناء الجسور بين البشر وحفظ الذاكرة الجماعية.
هكذا يقدّم كتاب "عروق الزمن" تجربة تتقاطع فيها اللوحة مع الذاكرة، وتلتقي فيها الحكايات بالألوان، ليبقى الإنسان محور العمل الفني وجوهره، وتبقى الصفحات شاهدة على رحلة زمنية كتبتها الريشة كما يكتبها العمر.