يقدم مسلسل Last Seen تجربة مختلفة نسبيًا عن أعمال الغموض والإثارة القصيرة التي تعتمد، بشكل أساس، على المفاجآت المتتالية وتسارع الأحداث. وعلى مدار 6 حلقات، يختار العمل منح مساحة أكبر للشخصيات وتفاصيلها النفسية، بدلًا من تحويل كل حلقة إلى سلسلة من الصدمات التي تقود المشاهد إلى النهاية.
ويستند المسلسل إلى رواية The Messenger للكاتب ريان ديفيد جان، بينما تولّى كريس ميركسا مهمة كتابة النسخة التلفزيونية. ويقود البطولة باتريك برامال في دور إيان ريدلي، موظف استقبال مكالمات الطوارئ الذي يجد نفسه أمام لغز يعيد فتح جرح قديم لم يلتئم منذ سنوات.
تبدأ القصة مع إيان ريدلي، موظف استقبال مكالمات الطوارئ في أستراليا، الذي يعيش، منذ سنوات، تحت تأثير اختفاء ابنته ماغي. فقدت العائلة أثرها قبل 8 سنوات، وكان ذلك الحدث نقطة تحول قاسية في حياة إيان، الذي لم يتمكن من تجاوز ما حدث أو التخلّي عن فكرة العثور عليها.
يتغير مسار الأحداث عندما تصل مكالمة طوارئ من فتاة صغيرة تثير لدى إيان شكوكًا بشأن احتمال ارتباطها بابنته المفقودة. وبينما يحاول فهم حقيقة ما سمعه، يقوده التحقيق إلى مجموعة من الأسرار والأحداث القديمة التي تتقاطع مع حياة عائلة تعيش بالقرب منه.
لا يعتمد المسلسل على إبقاء جميع أسراره مخفية لفترة طويلة، بل يكشف بعض المعلومات الأساسية في وقت مبكر، ثم يستخدمها للانتقال إلى الجانب الأهم من القصة، وهو تأثير هذه الأحداث على الشخصيات والقرارات التي يتخذها كل منهم.
يعد الأداء التمثيلي من أبرز عناصر قوة مسلسل Last Seen، خاصة أن العمل لا يمنح البطولة لشخصية واحدة فقط، بل يتيح للشخصيات المحيطة بالقصة مساحة واضحة للتطور.
ويقدم باتريك برامال أداءً مناسبًا لشخصية إيان، الرجل الذي يعيش، منذ سنوات، في حالة من الألم والغضب، وعدم القدرة على التخلّي عن ابنته. ويظهر الصراع الداخلي للشخصية من خلال تصرفاتها وعلاقاتها أكثر من الاعتماد على الحوارات المباشرة.
أما كلوي جين لوردس، فتقدم واحدة من أكثر الشخصيات إثارة للاهتمام في المسلسل من خلال شخصية سارة. ولا تظهر سارة باعتبارها مجرد عنصر يحرك اللغز الرئيس، وإنما تحصل على مساحة تجعل المشاهد يتعامل معها كشخصية لها مشاعرها، ومخاوفها، ودوافعها الخاصة.
كما يبرز أداء ماكسين بيك في دور جينا، بينما يقدم دانيال هينشال أداءً مميزًا للغاية في شخصية دونالد ريد، شقيق هنري وصديق إيان. ويمنح هينشال الشخصية قدرًا واضحًا من التعقيد، خاصة مع الصراعات الشخصية التي تؤثر في خياراته وفي مسار القصة.
من أهم الاختلافات التي يقدمها Last Seen مقارنة بالعديد من مسلسلات الإثارة الحديثة أنه لا يجعل المفاجأة هي الهدف الأساس من كل حلقة.
فبعد الكشف المبكر عن عدد من المعلومات المهمة، يبدأ العمل في الاهتمام أكثر بما تفعله هذه الحقائق بالشخصيات. وهذا يمنح سارة بشكل خاص حضورًا أقوى، إذ لا يتم التعامل معها باعتبارها مجرد فتاة مرتبطة باللغز، وإنما كشخصية تعيش ظروفًا معقدة وتحاول التعامل معها بطريقتها الخاصة.
ويحسب للمسلسل أيضًا أنه لا يجعل المحقق أو الأب المكلوم الشخصية الوحيدة التي تستحق اهتمام المشاهد، وهي نقطة تظهر كثيرًا في أعمال الجريمة التي تركز على عملية البحث عن المفقودين أكثر من التركيز على الأشخاص الذين تدور حولهم القضية.
رغم جودة العمل في جوانب عديدة، فإن Last Seen لا يخلو من بعض نقاط الضعف.
فبعض الشخصيات لا تحصل على العمق نفسه الذي تحصل عليه الشخصيات الرئيسة، ومن بينها والدة ماغي، التي يبدو وجودها في بعض المراحل مرتبطًا بدفع إيان إلى مواصلة البحث عن ابنته والتعبير عن الجانب الأكثر إصرارًا في شخصيته.
كما أن بعض الشخصيات الشرطية تؤدي دورًا وظيفيًا في القصة أكثر من كونها شخصيات متكاملة، إذ يتم استخدامها، أحيانًا، لتقديم المعلومات أو توضيح بعض التفاصيل للمشاهد.
كذلك قد لا يكون إيقاع المسلسل مناسبًا لمن يبحث عن إثارة مستمرة ومفاجآت متلاحقة، خاصة أن العمل يتعمد التمهل نسبيًا والتركيز على التطور النفسي للشخصيات.
يقدم Last Seen تجربة مناسبة لمحبي مسلسلات الغموض والجريمة التي تهتم بالشخصيات بقدر اهتمامها باللغز الرئيس. وعلى الرغم من أن قصته لا تعتمد على عدد كبير من المفاجآت، فإن ذلك يصبح نقطة قوة في بعض الأحيان، لأنه يسمح للمسلسل بتقديم شخصيات أكثر تعقيدًا بدلًا من التضحية بها لصالح الحبكة.
ولا يمكن اعتباره مسلسلًا مثاليًا، خاصة مع وجود بعض الشخصيات الثانوية التي تبدو أقل تطورًا، لكن أداء فريق التمثيل، خاصة كلوي جين لوردس ودانيال هينشال، إلى جانب طريقة التعامل مع الشخصيات، يمنح العمل قيمة إضافية.
وبالتالي، إذا كنت تبحث عن مسلسل قصير من 6 حلقات يجمع بين الغموض والدراما الإنسانية، دون الاعتماد الكامل على المفاجآت المتكررة، فإن Last Seen يستحق أن يكون ضمن اختيارات المشاهدة.