تعود قصة انفصال بيب غوارديولا عن زوجته كريستينا سيرا إلى الواجهة من بوابة سلسلة وثائقية تكشف للمرة الأولى جوانب شخصية ومهنية من أصعب فترات المدرب الإسباني مع مانشستر سيتي، وتوثق لحظات انهيار داخل غرفة الملابس وصدامات مع لاعبين وإدارة النادي، وصولًا إلى مرحلة لم يعد فيها واثقًا من رغبته في مواصلة التدريب.
وتقدم سلسلة "هوس جميل"، المؤلفة من أربعة أجزاء، صورة مختلفة عن السنوات الأخيرة لغوارديولا في مانشستر سيتي، من خلال مشاهد ومواقف من موسم 2024-2025، الذي شهد محاولات لإعادة بناء الفريق، وتراجعًا في النتائج، وتوترًا داخل المجموعة، إلى جانب ظروف شخصية أثرت في المدرب قبل رحيله هذا الصيف.
ومن المقرر أن يبدأ عرض السلسلة عبر Prime Video في بريطانيا وإيرلندا يوم 19 أغسطس/آب، حسب "التلغراف".

من أكثر المشاهد حساسية في الوثائقي، حديث غوارديولا أمام لاعبي فريقه بعد الخسارة أمام يوفنتوس بهدفين دون رد في دوري أبطال أوروبا خلال ديسمبر/كانون الأول 2024.
كانت تلك الهزيمة السابعة لمانشستر سيتي خلال عشر مباريات، في فترة بدا فيها الفريق بعيدًا عن مستواه المعتاد، قبل أن يتحول اجتماع غرفة الملابس إلى لحظة شخصية مؤثرة.
وتحدث غوارديولا أمام لاعبيه عن انفصاله عن كريستينا سيرا، قائلا لهم: انفصلت عن أجمل امرأة على هذا الكوكب، موضحًا أنه لا يزال يحمل مشاعر تجاه زوجته السابقة، لكنه رأى أن العلاقة فقدت عنصر الشغف الذي كان يجمعهما.
واستخدم المدرب تجربته الخاصة للحديث عن كرة القدم، متسائلًا أمام لاعبيه عما إذا كانوا يخوضون المباريات من أجل المال فقط، أم أن هناك دافعًا داخليًا يجعلهم يرغبون في تقديم كل ما لديهم.
وبحسب ما يظهر في السلسلة، حاول غوارديولا تحويل أزمته الشخصية إلى رسالة مباشرة للاعبيه، مطالبًا إياهم بالحفاظ على الشغف وعدم السماح له بالاختفاء مهما كانت الظروف.
لم تكن تلك المرة الوحيدة التي تحدث فيها غوارديولا عن حياته الخاصة أمام لاعبي مانشستر سيتي.
فبعد الخسارة أمام برايتون بنتيجة 2-1 في بداية الموسم الماضي، ظهر المدرب في حالة غضب شديدة، وربط تراجع الفريق بما قدمه شخصيًا من تضحيات خلال السنوات الماضية.
وأوصل غوارديولا رسالته إلى اللاعبين بوضوح، مؤكدًا أنه وضع حياته وعائلته وكل ما لديه في خدمة الفريق، قبل أن ينتقد بشدة ما وصفه بالأداء المخيب.
كما وجه تحذيرًا صريحًا إلى المجموعة، ملمحًا إلى أن استمرار الوضع بهذا الشكل قد يؤدي إلى وجود مدرب آخر على مقاعد البدلاء.

تكشف السلسلة كذلك عن تفاصيل مواجهة حادة بين غوارديولا وكايل ووكر، قائد مانشستر سيتي السابق، عقب الخسارة أمام ليفربول 2-0 في ملعب أنفيلد خلال ديسمبر/كانون الأول 2024.
وكان ووكر غاضبًا من تكرار توجيه الانتقادات إليه خلال اجتماعات الفريق، بينما حاول غوارديولا التأكيد أن أسلوبه لا يقتصر على لاعب بعينه، وأن هدفه دفع جميع عناصر الفريق إلى التطور.
لكن النقاش اتخذ طابعًا شخصيًا عندما أوضح غوارديولا أن شعوره بأن ووكر يتعامل مع ملاحظاته بصورة شخصية يمثل بالنسبة إليه خسارة، خصوصًا بعد تسعة أعوام جمعتهما داخل النادي.
وكشف المدرب أنه اختار تمديد عقده لأنه كان يريد الاستمرار والقتال إلى جانب لاعبيه، مؤكدًا أن وجوده بينهم كان يجعله يشعر بالحياة.
بعد انتقال ووكر إلى ميلان على سبيل الإعارة في يناير/كانون الثاني 2025، ازدادت حدة المشاعر داخل غرفة الملابس.
وبحسب الوثائقي، واجه غوارديولا لاعبيه في اليوم التالي للرحيل، متسائلًا عن سبب عدم بذلهم جهدًا أكبر لإقناع قائدهم بالبقاء.
وكان المدرب ينتظر من أفراد الفريق التمسك ببعضهم بعضًا في المرحلة الصعبة، خصوصًا أن المجموعة كانت تمر بمرحلة من عدم الاستقرار وإعادة التشكيل.
كما سلّطت السلسلة الضوء على موقف آخر أثار استياء غوارديولا، بعدما خسر مانشستر سيتي أمام باريس سان جيرمان بنتيجة 4-2 في دوري أبطال أوروبا.
لم يتقبل المدرب الطريقة الودية التي تعامل بها بعض لاعبيه مع نجوم الفريق المنافس عقب المباراة، إذ كان يريد رؤية رد فعل أكثر حدة ورغبة واضحة في التعويض.
وبالنسبة إلى غوارديولا، لم تكن الخسارة مجرد نتيجة على لوحة المباراة، بل اختبارًا لشخصية الفريق، ولذلك طالب لاعبيه بإظهار رغبة أكبر في القتال والمنافسة.
لم تقتصر الضغوط على غرفة الملابس، إذ تكشف السلسلة عن تغير ملحوظ في العلاقة بين غوارديولا وإدارة مانشستر سيتي.
وقال خلدون المبارك، رئيس النادي، إنه اعتاد في السابق التعامل مع رغبة غوارديولا في الرحيل وإقناعه بمواصلة مهمته، لكنه شعر خلال موسم 2024-2025 بأن الوضع أصبح أكثر جدية.
وشبه المبارك الأمر بقصة "الفتى الذي صاح: ذئب"، موضحًا أن غوارديولا سبق أن عبّر عن رغبته في الرحيل خلال فترات مختلفة، لكنه أدرك هذه المرة أن المدرب يواجه أزمة حقيقية.
ومن جانبه، أقر غوارديولا بأنه أبلغ مسؤولي النادي في تلك المرحلة بأن مسيرته ربما تكون وصلت إلى نهايتها.
تكشف السلسلة جانبًا آخر من طريقة عمل إدارة مانشستر سيتي، إذ تحدث الرئيس التنفيذي فيران سوريانو عن استخدام النادي نظامًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي يعرف باسم "مؤشر الجودة الشاملة".
ويُستخدم النظام لتقدير مستوى الفرق وفرصها في المنافسة بالدوري الإنجليزي، حيث حصل مانشستر سيتي في بداية الموسم الماضي على 156 نقطة في تقييم جودة الفريق، مقابل 159 لليفربول و160 لآرسنال.
وتزامن ذلك مع خطة النادي لإعادة بناء تشكيلته، عبر الاعتماد بصورة أكبر على اللاعبين الشباب، في وقت كان الفريق يضم عددًا من النجوم الذين اقتربوا من نهاية مراحلهم مع النادي.

من بين أكثر اللحظات الإنسانية التي تتناولها السلسلة، ظهور كيفن دي بروين متأثرًا أثناء حديثه عن رحيله عن مانشستر سيتي وانعكاس القرار على عائلته.
وفي المقابل، أوضح سوريانو أن النادي اختار تحمل المخاطر من خلال الاستثمار في عناصر شابة، بدل البحث عن حلول قصيرة المدى.
وكانت إدارة مانشستر سيتي تدرك أن عملية إعادة البناء قد تحمل نتائج قاسية، خصوصًا إذا بدأ الفريق في التراجع تدريجيًا من المراكز المنافسة على القمة إلى مراكز أبعد، قبل أن يجد نفسه خارج دائرة المنافسة.
شهدت الخسارة أمام باير ليفركوزن بهدفين دون رد في دوري أبطال أوروبا خلال نوفمبر/تشرين الثاني الماضي واحدة من أكثر لحظات التوتر بين غوارديولا وإدارة النادي.
وبعد المباراة، ظهر المدرب غاضبًا من أداء لاعبيه، وتحدث عن شعوره بالوحدة والإرهاق، حتى إنه عبّر عن رغبته في الرحيل.
لكن هذه المرة لم يكن غضب الإدارة أقل، إذ أثار قرار غوارديولا إجراء عشرة تغييرات على التشكيلة اعتراض خلدون المبارك.
وكشف سوريانو أن رئيس النادي كان غاضبًا إلى درجة أنه لم يكن قادرًا على التحدث مع غوارديولا أو حتى مراسلته.
ورغم ذلك، رأى سوريانو أن التعامل مع المدرب بطريقة عدائية ليس الحل، مؤكدًا في الوقت نفسه ضرورة عدم التساهل معه، وأن الخطأ الذي وقع يجب الاعتراف به وتصحيحه.
حتى المشجع الشهير لمانشستر سيتي ونجم فرقة "أويسس" نويل غالاغر وجد نفسه داخل دائرة ملاحظات غوارديولا.
وكان غالاغر قد قال في تصريحات إعلامية إنه يتوقع تتويج آرسنال بلقب الدوري، وهو ما دفع غوارديولا إلى مراسلته بطريقة ساخرة، معاتبًا إياه على عدم ثقته بقدرة مانشستر سيتي على المنافسة.

في نهائي كأس الاتحاد الإنجليزي أمام تشيلسي، ظهر غوارديولا مرة أخرى بصورة المدرب الذي لا يتردد في الضغط على نجومه.
وخلال الاستراحة، وجه ملاحظاته إلى إرلينغ هالاند، متسائلًا أكثر من مرة عما إذا كان اللاعب يشعر بالإرهاق، وطالبه بأن يكون أكثر قوة في الالتحامات وأن يقاتل على الكرات.
كما لوح له بإمكانية استبداله إذا لم يكن قادرًا على الاستمرار بنفس المستوى.
ورغم حدة حديثه، أكد غوارديولا لهالاند أنه يحبه كما لو كان أحد أبنائه، لكنه في الوقت نفسه كان ينتظر منه أن يظهر رغبته في الفوز، خصوصًا بعدما اضطر إلى إبقاء ستة لاعبين خارج التشكيلة في المباراة النهائية.
وانتهى اللقاء بفوز مانشستر سيتي على تشيلسي بهدف دون رد سجله أنطوان سيمينيو.
في ختام السلسلة، لا يقدم غوارديولا إجابة حاسمة بشأن مستقبله.
فبعد انتهاء حقبته الطويلة مع مانشستر سيتي، ورفضه عرضًا لتدريب المنتخب الإيطالي، يبدو المدرب الإسباني بحاجة إلى فترة لاستعادة توازنه بعيدًا عن ضغط الملاعب.
ويعترف غوارديولا بأن العودة إلى التدريب لن تكون سهلة، موضحًا أنه يحتاج إلى استعادة نفسه بعد سنوات حملت الكثير من الضغوط الشخصية والمهنية.
كما يتحدث عن رغبته في تجربة مفهوم كتالوني يعرف باسم "بادار"، ويعني ببساطة الجلوس دون الانشغال بشيء محدد، وترك الوقت يمر بهدوء.
وبينما يطوي غوارديولا صفحة مانشستر سيتي، تترك سلسلة "هوس جميل" صورة مختلفة عن المدرب الذي صنع حقبة تاريخية مع النادي؛ صورة تجمع بين النجاح والضغط والانهيار النفسي والصدامات، وتفتح في الوقت نفسه الباب أمام سؤال كبير: هل يكون الابتعاد عن كرة القدم هو الخطوة المقبلة لغوارديولا، أم أن شغفه بالملعب سيعيده من جديد؟