استطاع الفنان المصري صلاح عبد الله أن يحقق حضوره الخاص في المشهد الفني، بعدما امتد مشواره لعقود، قدم خلالها عشرات الشخصيات التي تنوعت بين الكوميديا والتراجيديا، ونجح في ترك بصمة واضحة لدى الجمهور والنقاد. وبينما ارتبط اسمه بالتمثيل، يمتلك صلاح عبدالله جانبًا آخر ربما لا يعرفه كثيرون بالقدر نفسه، وهو موهبته في الكتابة والتأليف وكتابة كلمات الأغاني، وهي الموهبة التي يعترف بأنه لم يمنحها الاهتمام الكافي.
في حوار الأسبوع مع موقع "فوشيا"، تحدث الفنان صلاح عبد الله عن أصعب جوانب مهنة الممثل، والثمن الذي دفعه مقابل النجاح والشهرة، وتأثير العمل في حياته الأسرية، كما كشف عن الشخصيات الأقرب إلى شخصيته الحقيقية، والأعمال التي يتمنى تكرارها، كما استعاد ذكريات بداياته وأسماء أصحاب الفضل عليه، وتحدث عن الفارق بين جيله والجيل الجديد، ورؤيته للسوشيال ميديا ومقترح حماية الرموز الفنية من الإساءة والتشهير، مؤكدًا أن قوة الرفض أصبحت لديه أكبر من قوة القبول حفاظًا على تاريخه الفني.

الحمد لله على كل حال، ربنا كريم ودائمًا سترها معي وربنا يديم النعمة.
قاسية طبعًا، ومن يقول غير ذلك؟ هذه مهنة متعبة، والتعب الحقيقي فيها ليس جسديًا بقدر ما هو نفسي. صعوبتها أكبر من الناحية النفسية. وهناك مواقف كثيرة منذ أن بدأت رحلتي بالفن وتساؤلات كثيرة كانت تشغلني هل أكمل أم لا، احترف الفن أم لا، فهذه كانت في البدايات ثم بعد ذلك رغبت في الحفاظ على ما أقدمه من خطوات جيدة، وأحيانا في بعض الأحيان اضطر أن أقدم أعمالاً غير راض عنها، والمواقف كثيرة منذ أن بدأت وحتى الآن، وتقدمت بالعمر تغيرت نوعية الأدوار أيضا، لذا لا بد أن أقدم الأدوار التي تناسبني حاليا، فمثلا لا أستطيع أن أقدم أكشن.
لا، لم أفكر في الاعتزال، ولست مع اعتزال الفنان إلا إذا مر بظروف صحية صعبة جداً ولا يستطيع أن يواصل عمله.
لا أملك مهنة أخرى، ولا أعرف عملا آخر غير الفن، ولا حتى أعرف أن أشارك في مشروع أو أعمل أي شيء آخر، ليس لدي عمل أستند إليه غيره. الفن بالنسبة إليّ هو الحياة نفسها. ولذلك أستمر، وعندما يأتي إليّ دور جيد وعمل جيد أقدمه.
أنني اعتذرت عن أعمال مهمة جداً وحلوة جداً ولكن الظروف لم تكن مهيئة كي أقدمها، وتعذر المشاركة في الأعمال الجيدة التي كانت تعرض عليّ؛ لأنني كنت أريد أن أعمل وأستمر في تقديم كل ما أراه جيدًا. لكن هذا كان له ثمن بالتأكيد، سواء على مستوى وقتي الشخصي أو أسرتي، وأحيانًا على حساب صحتي أيضًا.
طبعا، هناك أعمال كثيرة وقتها، كنت أظن أن يكون الدور مناسباً أو سينجح ولكن حسبتي كانت خاطئة.
الأسرة، في المقام الأول. الزوجة والبنات والبيت. مع مرور الوقت شعرت أن هناك فترات كنت أعمل فيها كثيرًا جدًا، وكان العمل يأخذني منهم، وكنت أشعر أنني لا أعطيهم الاهتمام الكافي.
نعم، دفعت جزءا كبيرا من الوقت ودفء الأسرة. وأنا دفعت هذا الثمن بإرادتي؛ لأن اهتمامي كان دائمًا أن أعمل وأستمر وأستفيد من كل الأشياء الجيدة التي تعرض عليّ. وبالتأكيد كان ذلك على حساب أشياء أخرى في حياتي ومنها راحتي الشخصية.
إذا كنتِ تقصدين شخصية قريبة من تركيبة صلاح عبدالله الحقيقية، فهناك شخصيات قليلة. مثلًا شخصية فيلم "دم الغزال" كانت قريبة مني إلى حد ما.
في الطيبة، وهذا حقيقي وليس مجاملة. هناك أشياء قدمتها كانت تشبهني بالفعل، لكنّ هناك أدوارًا أخرى كانت بعيدة عن صلاح عبدالله الحقيقي بدرجة كبيرة.
هناك بعض الشخصيات في السينما تأتي إلى ذهني الآن، أما في المسرح فأنا طوال عمري كنت أقدم الكوميديا. ومن الشخصيات التي كانت بعيدة عني تلك التي تحتوي على قدر من الخبث والدهاء والشر، مثل "الشبح" و"كلاشينكوف" و"كبارية"، وكذلك شخصيتي في مسلسل "ونحب تاني ليه"، لأن هذا النوع من الشخصيات يحتوي على شر ودهاء وقسوة، وهي أمور بعيدة عن شخصيتي إلى حد كبير.

لا، لم يأخذ حقه، لكن بمزاجي أنا؛ لأنني في الحقيقة لم أهتم بهذه الموهبة بالشكل الكافي ولم أركز عليها. ولذلك أستطيع أن أقول إنني ظلمت الكاتب بداخلي بنفسي.
علي الحجار صديقي منذ بداية الثمانينيات. شاهد شيئًا كنت قد نشرته على فيسبوك، فاتصل بي وقال لي إنه يريد أن يغنيها. هو صديقي جدًا، وتحمس لها، وتم تنفيذها.
نعم، قدمت من قبل شيئًا لعلي الحجار، مع أحمد العطار، رحمه الله، وكانت بمناسبة شهر رمضان، وكانت الحكاية نفسها؛ كنت قد نشرتها أيضًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
لا، ليس هناك شيء جديد حاليًا. أنا توقفت عن الكتابة تقريبًا في منتصف التسعينيات. كنت أكتب الأغاني والاستعراضات المسرحية والإعلانات الخاصة بالمسرح، وقدمت أشياء كثيرة خلال الفترة التي بدأت تقريبًا من النصف الثاني من الثمانينيات وحتى النصف الثاني من التسعينيات، وبعد ذلك توقفت.
توقفت؛ لأنني أردت أن أركز في التمثيل.
هناك كثيرون، وكل من دعموني لهم فضل. ومن الأسماء التي تأتي إلى ذهني الآن مخرج مسرح بورسعيد، وأستاذ الثقافة الكبير عباس أحمد، والمخرج الأستاذ صلاح الدمرداش، وهذه أسماء ربما لا تكون مشهورة للجمهور، لكنها صاحبة فضل.
بالتأكيد سأبدأ بالأستاذ شاكر عبد اللطيف، المخرج الكبير، فهو الذي قدمني في الثمانينيات، وبالتالي فهو من أصحاب الفضل عليّ.
محمد صبحي أيضًا من أصحاب الفضل الكبير جدًا في مشواري، وكذلك لينين الرملي. بصراحة الفضل أيضاً للفنان نور الشريف الذي دعمني في خطواتي الأولى، وهناك أسماء كثيرة في الطريق، منها الأستاذ جلال الشرقاوي، والأستاذ أحمد الإبياري، وكذلك أصدقائي وأحبائي أصحاب شركة أوسكار لؤي عبدالله ووائل عبدالله. هؤلاء كانوا من أصحاب الفضل والدعم في خطوات مهمة من مشواري.

الذي جاء إلى ذهني الآن كواليس مسلسل "الدالي"، وفي السينما تحديدًا أتذكر كواليس فيلم "مواطن ومخبر وحرامي"، وكانت كواليس جميلة جدًا.
العلاقة مع الجميع، وبالأخص العلاقة مع المخرج، وكذلك علاقتي بنور الشريف والوجوه الجديدة وقتها، مثل: عمرو يوسف وحسن الرداد، ولا أريد أن أنسى أحدًا، وكذلك الفنانات اللاتي كن في العمل، والفنانة سوسن بدر؛ إذ كانت العلاقات الإنسانية مهمة جدًا بالنسبة إليّ، وكذلك المخرج وليد يوسف. كما أستحضر دائمًا علاقتي بالأستاذ داود عبد السيد، رحمه الله، وكيف كان سببًا في إسناد دوري في فيلم "مواطن ومخبر وحرامي"، وهو من أجمل وأقوى الأدوار التي قدمتها. وأتذكر أيضًا علاقتي بشعبان عبد الرحيم رحمه الله.
الأمر يتعلق بالظروف وبنوعية الطموحات. الجيل الجديد استفاد من الأخطاء التي وقعنا فيها، ونحن أيضًا استفدنا من أخطاء الجيل الذي سبقنا، والذي كنا نراه في أيام الأبيض والأسود. وأعتقد أن من أهم الأخطاء أن معظم أبناء جيلنا لم يكونوا يضعون حسابًا للغد، ولم يفكروا بما يكفي في المستقبل، أو في أن الأضواء يمكن أن تنحسر، وأن الإنسان سيكبر، وأن صحته قد تتأثر بسبب العمل. معظمهم واجه هذه الأمور في نهايات مشواره.
وهذه نقطة مهمة جدًا؛ نحن استفدنا من هذه التجارب وأصبحنا نضع حسابًا للغد. وأنا أعتقد أن الجيل الجديد أصبح أشطر منا بكثير، خصوصًا من وصلوا إلى الشهرة والنجومية.
لكن إذا تحدثنا عن النسبة بشكل عام، فستجدين أن نحو عشرة في المائة فقط هم الذين يعملون بشكل جيد، وهناك على الأقل أربعون في المائة، وربنا يكون معهم، وخمسون في المائة حالتهم صعبة جدًا. وهناك فنانون ماهرون جدًا، لكنهم لا يعملون بشكل جيد، وطالما الفنان لا يعمل بشكل جيد، فهذا يعني أن دخله ضعيف، وبالتالي يعاني اجتماعيًا واقتصاديًا.
هناك أكثر من تجربة بصراحة. في السينما هناك: "كبارية" و"الفرح" و"دم الغزال"، وبالطبع "مواطن ومخبر وحرامي"، وكذلك الأعمال التي قدمتها مع أحمد عز، مثل: "الرهينة" و"المصلحة" فهذه أعمال مهمة جدًا بالنسبة إليّ.
عندما تقولين لي من دون تغيير أي تفصيلة، أجد أن هناك أعمالًا كثيرة جدًا أحب أن أعيدها بالطريقة نفسها. وهناك أعمال أخرى كثيرة جدًا لا أرغب أصلًا في إعادتها، لا بالتفاصيل نفسها ولا بأي تفاصيل أخرى.
لا، لن أقول. لأنني قدمته بالفعل، وأنا الذي اخترت أن أقدمه. لا يصح أن أقول الآن شيئًا ضده. فلم يجبرني أحد عندما قدمته.
سواء اخترته فنيًا أو ماديًا، فهذا اختياري. ولذلك لا يمكنني أن أقول اسمه، لأن المسؤولية في النهاية مسؤوليتي أنا. أنا الذي قدمته، ولم يجبرني أحد عليه.
سأقول له: الحمد لله على ما كنت فيه وما وصلت إليه. الحمد لله. ربنا منحني هدية اسمها القناعة والرضا.
محاولة الرضا طبعًا صعبة، والوصول إلى درجة كاملة منه صعب، لكن الحمد لله، الرضا موجود عندي بنسبة جيدة.
كنت سأقول له: لا تهمل الكتابة. يا ليتني لم أهمل موضوع الكتابة والزجل وهذه الأشياء التي كنت أكتبها، والتي كان فيها شيء يشبه الشعر. كان من المفترض أن أركز فيها جيدًا، وأن أهتم بها، وأن أحاول أن أضبطها مع التمثيل. أما بالنسبة إلى التمثيل، فكنت سأنصح صلاح عبدالله الشاب بأن يصبر ويحتمل قليلًا، وألا يستعجل، وألا يضطر إلى تقديم أعمال ربما تكون قد سحبت من رصيده قليلًا. ربما لو لم أقدم بعض هذه الأعمال، لكان رصيدي أقوى وأعلى.

الكتابة هي أكثر شيء أشعر أنه ظُلم في مشواري، وأنا الذي ظلمتها بنفسي لأنني لم أهتم بها كما كان يجب، ولم أعطها المساحة التي تستحقها، وركزت أكثر على التمثيل.
كنت سأعود إلى مراحل البدايات، وأقول لنفسي: اصبر أكثر، ولا تستعجل، واهتم بالكتابة إلى جانب التمثيل، وضع حسابًا أكبر للمستقبل، ولا تقدم عملًا لمجرد أنه متاح؛ لأن بعض الاختيارات كان من الممكن الاستغناء عنها، وكان رصيدي سيصبح أقوى لو لم أقدمها.
في الفترة الأخيرة أصبحت هناك أشياء كثيرة جدًا فيها هجوم على الفنانين، وأحيانًا يكون الهجوم من دون وعي. ودعك من اللجان، فنحن نتحدث عن الناس العاديين الذين أحيانًا يتعاطفون أو يشاركون منشورًا، رغم أن الشخص الذي يتحدثون عنه قد لا يعرفه أحد منهم، ولا يعرفون شكله ولا حياته، ومع ذلك يدعي بعضهم الفضيلة بطريقة غير مناسبة. وقد يصل الأمر إلى مهاجمة أشخاص أو رموز، رغم أن لدينا قيمنا وعاداتنا وتقاليدنا وتراثنا، ونحن نعرف أن "الميت لا تجوز عليه إلا الرحمة". وهذه من العيوب الكبيرة في السوشيال ميديا. وأنا مع مقترح ياسر جلال جدًا جدًا، وأشكره جدًا على هذه الخطوة، هو والنقيب الدكتور أشرف زكي، وكل من يدعم هذا الاتجاه. أنا أشكرهم وأدعمهم، وأشكر كل من يدعم هذه الخطوة، لأنها أصبحت ضرورة، خصوصًا مع زيادة الإساءة والانتقادات غير المقبولة بشكل كبير.
كنت دائمًا أقول إن السوشيال ميديا فيها جانبان، أدخل إليها لأستفيد من الجانب المفيد، وأبتعد عن أي شيء يمكن أن يصيبني بالإحباط أو يؤذيني نفسيًا أو يتضمن تهجمًا وإساءة.
وبمعنى عملي، لا أجعل قائمة أصدقائي تضم أشخاصًا من هذا النوع، ولا أشارك منشورًا فيه عداء للوطن أو محاولة للتخريب، أو يتضمن سبًا لشخص من دون حق. ليس من حقي أن أسب أي شخص على الإطلاق، أو أفتن بين الناس. وأرى أن موضوع السوشيال ميديا كبير جدًا وضخم، وأنا نشط فيها، لكن أحيانًا أشعر أنني أريد أن أغلقها وأبتعد عنها. وفي الفترة الأخيرة أصبحت نسبة الحذر عندي أكبر، وهذا من حقي.