بعد سنوات طويلة من العطاء الفني، تعود الفنانة المصرية عفاف راضي إلى جمهورها بأغنية "الذكريات"، حاملة معها حالة خاصة من الحنين، ومجددة حضور صوت ظل حاضرًا في وجدان الجمهور العربي لعقود.
عفاف راضي ليست مجرد مطربة صاحبت مرحلة ذهبية في تاريخ الموسيقى العربية، وإنما صوت جمع بين الأداء الأوبرالي والغناء العربي، مقدمة ألوانًا مختلفة من الأغنيات، من الرومانسية والوطنية إلى الشعبية والدينية، وكان لقاؤها بالموسيقار الراحل بليغ حمدي أإحدى أبرز المحطات في تكوين تجربتها الفنية.
في حوار الأسبوع مع موقع "فوشيا"، تتحدث عفاف راضي عن أسباب غيابها، وعلاقتها بالجيل الجديد من الملحنين، وأغنية "الذكريات"، كما تستعيد رهبتها في أول وقوف لها أمام جمهور عبد الحليم حافظ، وتكشف ما كان يراه بليغ حمدي في صوتها، ورؤيتها للأغنية الحديثة، والسوشيال ميديا، وحلمها المؤجل بالسينما.

أنا أحب دائمًا أن ألتقي بجمهوري وأن أكون موجودة معه، لكن المشكلة خلال الفترة الماضية كانت في العثور على ألحان مناسبة لي. معظم الملحنين الذين كنت أتعاون معهم في السابق لم يعودوا موجودين، ولم تكن لدي علاقات أو اتصالات كافية مع الجيل الجديد من الملحنين. كنت أحتاج إلى من يختار لي أعمالًا تتناسب مع صوتي وإمكانياتي، وهذا الأمر لم يكن سهلًا، إلى أن جاءت أغنية "الذكريات".
أما عفاف راضي اليوم، فلا أرى أنها مختلفة عن عفاف راضي التي عرفها الجمهور منذ سنوات. صوتي، والحمد لله، ما زال كما هو، وكل ما أبحث عنه هو كلمات جيدة ولحن جيد، إلى جانب منتج يهتم بالعمل ويتابع تفاصيله.
الجمهور وحشني بالطبع، لكن عودتي ترتبط في الأساس بوجود عمل جيد أشعر أنه يناسب صوتي وإمكانياتي.
عندما أجد عملًا معقولًا ويتناسب معي، أرحب به وأقدمه. كما أنني لم أكن بعيدة تمامًا عن الجمهور خلال السنوات الماضية؛ فقد قدمت حفلات في دار الأوبرا المصرية، وعلى المسرح المكشوف والمسرح الكبير، إلى جانب حفلات في القاهرة، و"موسم الرياض"، والأردن بـ"مهرجان جرش للثقافة والفنون" وغيرها، ولذلك لم أشعر أنني انقطعت تمامًا عن جمهوري.
السبب في الأساس هو أن المعروض لم يكن دائمًا مناسبًا لي.
أحيانًا تكون الاختيارات نفسها لا تليق بصوتي، أو لا أشعر بأنها الشيء الذي أحب أن أغنيه في هذه المرحلة. كما أن هناك فترة كان فيها عدد من كبار الملحنين الذين تعاونت معهم موجودين في حياتي الفنية قبل رحيلهم، بينما لم تكن لدي علاقات أو اتصالات كافية مع الجيل الجديد. وبالتالي لم يكن هناك التواصل الكافي، لكن عندما أجد عملًا جيدًا ومناسبًا لصوتي، فأنا أرحب به.
أنا لا أركز كثيرًا في هذه المسألة. الحمد لله حصلت على مكانة متميزة، ولكن ربما أثرت فترة غيابي. والحمد لله، أغنياتي موجودة حتى اليوم عبر السوشيال ميديا والتلفزيون والمنصات المختلفة. ما يهمني هو أن يكون العمل نفسه جيدًا، وأن أقدم ما أستطيع تقديمه فنيًا.
كان يرى أن لدي إمكانيات مختلفة، سواء في الأداء الأوبرالي أو الغناء العربي، وكان يعتبرني مختلفة عن الموجودين في ذلك الوقت.
كان يرى أن صوتي يمنحه كل ما يريده، وأن إمكانياتي متعددة وفيها أبعاد كثيرة، من الأوبرا إلى الغناء العربي، ولذلك كان يستطيع أن يفتح معي مساحات مختلفة. وكان يقدم معي ألوانًا متعددة، منها الشعبي والرومانسي والوطني والديني، وغيرها من الأشكال الغنائية. كما قدم لي أعمالًا دينية جميلة جدًا.
لا أعرف، بصراحة لا أستطيع أن أتوقع ماذا كان سيقول.
بليغ حمدي لا يُعوَّض، لا بالنسبة لي ولا بالنسبة إلى الموسيقى العربية بشكل عام. كان سابقًا لعصره، وكان يعرف نبض الشارع، ويعرف ما يريده الجمهور ويقدمه له. كما كان فنانًا متنوعًا جدًا، واستطاع أن يعمل في اتجاهات وأشكال موسيقية مختلفة، ولذلك من الصعب أن نجد شخصًا يعوض غيابه.

بالطبع أتذكرها. كانت أول مرة أغني فيها على مسرح بهذا الحجم، وكانت في حفلة كبيرة جدًا لعبد الحليم حافظ، وكانت الدنيا كلها تشاهدها، والحفل كان على الهواء مباشرة، وكان بليغ حمدي يقود الفرقة.
كانت بداية كبيرة جدًا بالنسبة لي. كنت وقتها طالبة في معهد الكونسرفتوار ولم أكن قد تخرجت بعد، ولم أكن غنيّت بالعربية على مسرح بهذا الحجم. كنت أغني في الجامعة وفي المعهد، وفي قاعات وحفلات، لكن هذه كانت أول حفلة جماهيرية.
كنت خائفة جدًا؛ لأن النجاح أو السقوط كان سيظهر أمام هذا الجمهور الكبير، خصوصًا أن جماهير عبد الحليم كانت حاضرة، والحفل كان مذاعًا على الهواء.
والحمد لله، كان النجاح كبيرًا، رغم أنني كنت أشعر برهبة شديدة، وكان من الممكن أن يذبحني هذا الحفل إذا لم أكن على قدر الموهبة، ولكن الحمد لله كانت بداية لنجاحات كبيرة، وصعدت السلم خطوة خطوة.
أما عن جملة محددة قالها لي عبد الحليم في ذلك الموقف، فلا أتذكر جملة بعينها.
وعلى المستوى الفني، كنت موجودة في حفلاته حتى وفاته، لكن على المستوى الشخصي لم تكن هناك لقاءات أو علاقة شخصية قريبة، وكانت علاقتنا في الأساس من خلال العمل والمسرح.
لا طبعًا. الفترة التي بدأت فيها كانت فترة ذهبية بالنسبة إلى الفن. كان هناك كل هؤلاء العمالقة، وكانت هناك أغانٍ قوية وأسماء كبيرة في التلحين والغناء. والآن لدينا شباب جدد وأصوات وتجارب جديدة، لكن العلامات الفنية الكبيرة التي كانت موجودة في ذلك الوقت لم تتكرر بالشكل نفسه حتى الآن.
بالتأكيد، وهذا الأمر موجود بكثرة. أحيانًا تفتح السوشيال ميديا طوال اليوم، فتجد أشخاصًا موجودين باستمرار، وهناك من يستخدم لجانًا لمتابعة الأعمال، أو لصناعة الشائعات، أو نشر الأكاذيب، أو حتى الرد على الأكاذيب وتصحيحها.
وهذا جعل بعض الأصوات العادية جدًا تظهر وكأنها أصوات استثنائية، وكأن أصحابها أصبحوا في مكانة كبار المطربين.
لكن بالنسبة إليّ، الصوت هو الأساس.
أتعامل معها بشكل عادي. أضع عليها أغنياتي وأعمالي وكل ما أريد تقديمه من خلال فني. لكنني لا أدخل في دائرة الشائعات، فهذا الأمر لا يناسبني.
الفيلم الغنائي لم يعد موجودًا بالشكل نفسه حاليًا، وحتى المسرحيات الغنائية أصبحت قليلة جدًا. وفي الفترة التي قدمت فيها فيلم "مولد يا دنيا" مع محمود ياسين، كان هناك اهتمام بالأفلام الغنائية، لكن الفيلم الغنائي كان متعبًا ومكلفًا جدًا، لأنه يحتاج إلى عدد كبير من الأغنيات، وملحنين وشعراء وفرق موسيقية، إلى جانب التسجيل والتصوير وكل التفاصيل الأخرى. كان يحتاج إلى تحضير وإنتاج كبيرين، ولذلك لم يكن من السهل أن يقدم أي شخص فيلمًا غنائيًا. أما الفيلم الذي قدمته، فقد حقق نجاحًا باهرًا، وكنت أتمنى أن أكمل في السينما، لكن لم تأتِ أعمال أخرى شعرت بأنها مناسبة أو على مستوى التجربة الأولى، ولذلك لم تتكرر التجربة.

بالتأكيد. الأغنية اليوم مختلفة عن أغنية الماضي. في السابق كان الصوت والكلمة واللحن عناصر مهمة جدًا، ولم يكن أي شخص يستطيع أن يقدم أغنية بسهولة. كانت هناك لجان وإجراءات كثيرة قبل أن يصل العمل إلى الإذاعة والتلفزيون، ولم يكن الأمر سهلًا.
أما الآن، فهناك أصوات جميلة بالفعل، وهناك أيضًا أصوات عادية، لكن مع الفيديوهات والتصوير والملابس وأشياء كثيرة أخرى يمكن أن يظهر الفنان بشكل مختلف. وبالنسبة إليّ، جودة الصوت هي رقم واحد، وبعدها تأتي بقية العناصر. أما الآن، فأحيانًا أصبح التصوير والملابس والاستعراض في المقدمة، بينما المفترض أن يظل الصوت هو الأساس.
بالطبع، ليس من الجيد أن يكون هناك إقلال في العمل أو الإبداع، لكن في النهاية هناك ظروف.
أنا لم أبتعد لأنني لا أريد العمل، وإنما لأنني في أوقات كثيرة لم أجد ألحانًا جيدة أو أعمالًا تشدني وتجعلني أشعر بأنني أريد تقديمها.
لا أريد أن أعمل لمجرد العمل، وإنما أريد أن يكون هناك شيء جيد ومناسب لصوتي وفني.
المشكلة التي تحدثت عنها أكثر من مرة هي أنني في فترة فقدت الملحنين الذين كنت أتعاون معهم بعد رحيلهم، وفي المقابل لم تكن هناك علاقات أو اتصالات كافية مع الجيل الجديد. لذلك لم أكن أجد بسهولة الأعمال التي تناسب صوتي وإمكانياتي.
معظم أغنياتي أعيد تقديمها بأصوات مختلفة، وهناك الكثير من الفنانين الذين غنوا أعمالي. أما أن أحدد صوتًا بعينه وأقول إنه الأقرب إليّ، فلا أحب أن أفعل ذلك. المهم بالنسبة إليّ أن تصل الأغنية إلى الناس وأن يظل العمل حاضرًا.
كان حلمي أن أكمل في السينما، خصوصًا أن الفيلم الأول الذي قدمته، وهو "مولد يا دنيا"، حقق نجاحًا باهرًا. وكنت أتمنى أن أجد أعمالًا أخرى مناسبة لأكمل هذه التجربة، لكن لم تأتِ الأعمال التي شعرت بأنها على المستوى نفسه، ولذلك ظل حلم السينما مؤجلًا. أما في الغناء، فأمنيتي خلال الفترة المقبلة أن أجد ألحانًا جيدة ومناسبة لصوتي، وأن أواصل تقديم أعمال جديدة عندما أجد ما يستحق أن أقدمه للجمهور.