في فضاء العلاقات الرقمية اليوم، تتشابك الخيوط، حتى إنها أحيانا قد تصل بك إلى نقطة تلتفتين فيها إلى شاشة هاتفك، لتجدي أن الخيار الأكبر والوحيد المتبقي أمامك هو الضغط على زر الحظر "Block".
وصحيح أن تلك الكبسة السريعة تبدو في ظاهرها حلا لقطع الاتصال، فإنها تفتح خلف الشاشة حديثا نفسيا وعاطفيا عميقا في داخلك. وهل ما فعلتِه للتو هو ذروة النضج وحماية لسلامك الداخلي؟ أم أنه مجرد هروب رقمي وسريع من مواجهة مشاعر لم تعد مريحة؟.

تظهر الإشارات عادة في المشاعر التي تعقب ضغطة الزر مباشرة؛ فالبلوك النّاضج يأتي متزنا وهادئا، كإعلان صامت عن نهاية استهلكت فيها كل الفرص، ولا تراجع فيه. تشعرين معه بالراحة والرغبة في الالتفات لنفسك مجددا وتجاوز الماضي.
أما "بلوك الهروب" أو "بلوك المناورة"، فتصاحبه رغبة خفية في معاقبة الطرف الآخر، أو محاولة لاستفزازه ليدق بابك من وسائل أخرى، أو يتملّكك فضول قاتل لمراقبة رد فعله.
وهنا، لا يكون الحظر وسيلة للمضي قدما، بل يتحول إلى أداة أخرى لاستمرار التعلق وعيش دور الضحية بشكل غير مباشر.
في الحظر النّاضج يكون الهدف الأساسي هو وضع حد نهائي وقطع باب الرجعة لاستنزاف المشاعر. وتكون حالتك النفسية مائلة نحو الهدوء، والتقبل للواقع، والرغبة الحقيقية في المضي قدما، ولذلك يكون القرار دائما وثابتا لأنه ينبع من قناعة فكرية تامة.
أما في الحظر العقابي هدفه الهروب والمناورة، فإن الهدف الخفي يكون معاقبة الطرف الآخر أو إثارة رد فعله وجلبه للركض خلفك مجددا. وتصاحب هذا القرار حالة من الغضب والرغبة في الانتقام، والترقب المستمر لرد الفعل، مما يجعله قرارا مؤقتا ومتذبذبا وبناء على الحالة المزاجية.
الحظر الحقيقي لا يحدث على الشاشة أولا، بل يبدأ ببلوك عاطفي وعقلي في داخلك، حيث يتوقف الطرف الآخر عن كونه محورا لاهتمامك وتفكيرك. وإذا اتخذت هذا القرار أو كنت تفكرين فيه، إليك كيف تجعلينه خطوة حقيقية نحو النضج:
بالمحصلة، البلوك العاطفي والرقمي يكون نضجا عندما تختارين غيابا يحفظ كرامتك ويمنحك فرصة للبدء من جديد، واعلمي أن القوة ليست في القدرة على الحظر فحسب، بل في القدرة على الاستغناء الفعلي وأنت واعية ومدركة ومطمئنة.