منذ الصغر، نتلقى رسائل مباشرة وغير مباشرة تخبرنا كيف ينبغي أن نكون.
كوني هادئة، كوني قوية، لا تخطئي، لا ترفضي، أرضي الجميع، وحققي النجاح بالشكل الذي يراه الآخرون مناسبًا.
ومع مرور الوقت، قد يعتاد الإنسان أداء هذه الأدوار حتى ينسى أن يسأل نفسه سؤالًا بسيطًا: هل هذه الحياة التي أريدها حقًا؟
فليس كل ما نفعله نابع من قناعاتنا، إذ قد نقضي سنوات في السعي وراء أهداف، أو المحافظة على علاقات، أو اتخاذ قرارات هدفها الأساسي تلبية توقعات الآخرين، لا التعبير عن ذواتنا الحقيقية.

تنشأ التوقعات منذ الطفولة، عندما يشعر الطفل أن الحب أو التقدير مرتبطان بسلوك معين، فيتعلم أن يتصرف بطريقة تضمن القبول.
ومع التقدم في العمر، تتوسع دائرة التوقعات لتشمل الأسرة، والعمل، والأصدقاء، والمجتمع. وقد يجد الإنسان نفسه يؤدي أدوارًا مختلفة بحسب المكان الذي يوجد فيه، حتى يصبح من الصعب عليه التمييز بين شخصيته الحقيقية، والصورة التي اعتاد تقديمها للآخرين.
قد لا يكون الأمر واضحًا دائمًا، لكنه يظهر في مواقف متكررة، مثل:
هذه العلامات لا تعني أنك ضعيفة الشخصية، لكنها قد تشير إلى أن صوت الآخرين أصبح أعلى من صوتك الداخلي.
لأن الإنسان بطبيعته يحتاج إلى الشعور بالانتماء والقبول.
ولهذا قد يفضل أحيانًا التنازل عن رغباته على مواجهة احتمال الرفض أو خيبة أمل الآخرين. لكن المشكلة أن هذا الأسلوب قد يمنحه راحة مؤقتة، بينما يراكم داخله شعورًا بعدم الرضا مع مرور الوقت.
قد تبدين ناجحة من الخارج، لكنك تشعرين من الداخل بأن شيئًا ما ينقصك.
وقد تحققين أهدافًا كبيرة من دون أن تشعري بالسعادة، لأنك وصلت إلى مكان لم تختاريه بنفسك.
كما أن محاولة إرضاء الجميع باستمرار قد تؤدي إلى الإرهاق النفسي، وفقدان الدافع، والشعور بأنك تعيشين وفق سيناريو كتبه الآخرون.
لا تحتاجين إلى تغيير حياتك بالكامل، لكن من المفيد أن تتوقفي بين الحين والآخر وتسألي نفسك:
الإجابة الصادقة عن هذه الأسئلة قد تكشف لك جوانب لم تكوني منتبهة إليها.
لا يعني العيش بصدق مع الذات تجاهل الآخرين أو رفض نصائحهم، بل أن يكون لك حق الاختيار.
ابدئي بخطوات صغيرة، مثل التعبير عن رأيك باحترام، أو رفض ما لا يناسبك من دون الشعور بالذنب، أو تخصيص وقت لأنشطة تستمتعين بها حتى لو لم تكن تهم أحدًا غيرك.
ومع الوقت، ستصبح قراراتك أكثر انسجامًا مع قيمك، لا مع الضغوط المحيطة بك.
ليس المطلوب أن تتجاهلي من تحبين أو تتوقفي عن مراعاة مشاعرهم، فالحياة تقوم على التفاهم والتعاون. لكن هناك فرقًا بين مراعاة الآخرين، وبين إلغاء نفسك من أجلهم.
فكلما كان ما تفعلينه نابع من قناعة، لا من خوف أو رغبة دائمة في القبول، أصبحت أكثر قدرة على بناء حياة تشبهك، وعلاقات تقوم على الصدق لا على أداء الأدوار.
وفي النهاية، النجاح الحقيقي لا يقاس بمدى إتقانك للدور الذي ينتظره منك الآخرون، بل بقدرتك على أن تعيشي حياة تنسجم مع قيمك، وتمنحك شعورًا بالرضا عندما تنظرين إلى نفسك، حتى لو لم تنالي تصفيق الجميع.