إرضاء الآخرين سلوك طبيعي عندما نحرص على مشاعر من حولنا، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح رضاهم أهم من راحتنا واحتياجاتنا.
عندها قد نجد أنفسنا نوافق على أمور لا نريدها، ونخشى التعبير عن رأينا، ونشعر بالذنب لمجرد وضع حدود.

قد يبدو هذا السلوك في البداية لطفًا وتعاونًا، لكنه مع الوقت قد يؤدي إلى الإرهاق والاستياء والشعور بأنك تعيشين وفق توقعات الآخرين أكثر مما تعيشين وفق اختياراتك.
إذا كنت تقولين "نعم" تلقائيًا رغم أنك متعبة أو غير راغبة، فقد تكونين اعتدتِ تقديم راحة الآخرين على راحتك.
المشكلة ليست في الموافقة بحد ذاتها، وإنما في عدم شعورك بأن لديك مساحة حقيقية للرفض عندما لا يناسبك الأمر.
قد تفكرين كثيرًا قبل إبداء رأيك، أو تعيدين صياغة كلامك حتى لا يسيء أحد فهمك، أو تتجنبين الحديث عن أمر يزعجك خوفًا من أن يغضب الطرف الآخر.
مع تكرار ذلك، قد يصبح تجنب انزعاج الآخرين أهم من التعبير عن احتياجاتك.
من الطبيعي أن يحتاج الإنسان إلى حدود تحمي وقته وطاقته وخصوصيته. لكن إذا شعرتِ بأن قول "لا" يجعلك شخصًا أنانيًا أو سيئًا، فقد تكون علاقتك بالحدود بحاجة إلى مراجعة.
الحدود لا تعني رفض الآخرين، بل توضيح ما تستطيعين تقديمه وما لا تستطيعين.
قد تتخلين عن رأيك في النقاش، أو توافقين على قرار لا يناسبك فقط لإنهاء التوتر بسرعة.
قد يمنحك ذلك راحة مؤقتة، لكنه قد يترك داخلك شعورًا بأنك لم تعبّري عن نفسك بصدق.
إذا كان تقدير الآخرين يؤثر بقوة في شعورك بقيمتك، فقد يصبح رأيهم معيارًا أساسيًا للحكم على نفسك.
عندها قد تجدين نفسك تبحثين باستمرار عن الإعجاب أو الموافقة، وتشعرين بالقلق عندما لا تحصلين عليهما.
الشخص الذي يحاول إرضاء الجميع قد لا يعبر عن انزعاجه في وقته، فيتراكم الضغط والمشاعر السلبية.
ومع الوقت، قد يظهر الاستياء على شكل عصبية أو انسحاب أو انفجار في موقف بسيط، رغم أن السبب الحقيقي تراكم مواقف سابقة لم يتم التعبير عنها.
قد تشعرين بأن عليكِ تهدئة الجميع، أو إصلاح مزاج شخص غاضب، أو منع الآخرين من الشعور بالحزن أو الإحباط.
لكن مشاعر الآخرين ليست مسؤوليتك بالكامل. يمكنك التعاطف معهم ودعمهم، من دون أن تحملي نفسك مسؤولية كل ما يشعرون به.
قد توافقين على مساعدة الآخرين حتى عندما يكون جدولك ممتلئًا، أو تتحملين مسؤوليات إضافية لأنك تخشين أن يراك الآخرون مقصرة.
ومع تكرار ذلك، قد يصبح العطاء مصدرًا للاستنزاف بدل أن يكون اختيارًا نابعًا من الرغبة.
قد يرتبط هذا السلوك بالخوف من الرفض، أو الحاجة إلى القبول، أو تجارب سابقة تعلم فيها الشخص أن الحفاظ على العلاقة يتطلب التنازل المستمر.
وفي بعض الحالات، قد يكون الشخص قد اعتاد منذ الصغر على تجنب الخلاف أو الاهتمام باحتياجات الآخرين قبل احتياجاته.
لكن معرفة السبب لا تعني أن السلوك يجب أن يستمر. يمكن تعلم طرق أكثر توازنًا في التعامل مع الآخرين.
قبل الموافقة على أي طلب، امنحي نفسك لحظة للتفكير: هل أريد فعل ذلك فعلًا؟ هل أستطيع القيام به؟ وهل أوافق لأنني أرغب، أم لأنني أخشى رد فعل الطرف الآخر؟
وقد يكون من المفيد استخدام عبارات بسيطة مثل: "سأفكر وأخبرك"، بدل إعطاء موافقة فورية لا تستطيعين الالتزام بها.
يمكن أن يكون الرفض واضحًا ومحترمًا في الوقت نفسه. لست مطالبة دائمًا بتقديم شرح طويل حتى يصبح قرارك مقبولًا.
وكلما تدربتِ على التعبير عن حدودك في المواقف الصغيرة، أصبح من الأسهل التعامل مع المواقف الأكثر حساسية.
إرضاء الآخرين ليس مشكلة بحد ذاته، فالتعاون والاهتمام من الصفات الإيجابية في العلاقات. لكن عندما يصبح قبول الآخرين شرطًا لراحتك، أو عندما تدفعين ثمنه من وقتك وطاقتك واحتياجاتك، فقد يكون الوقت مناسبًا لمراجعة هذا النمط.
العلاقات الصحية لا تحتاج إلى أن تكوني متاحة للجميع طوال الوقت، بل تسمح لك بأن تكوني حاضرة للآخرين من دون أن تتخلي عن نفسك.