قد تكررين على طفلك عشرات المرات أن يرتب ألعابه، ويتحدث باحترام، ويعتذر عندما يخطئ، ثم تكتشفين أنه لا يلتزم بما تطلبينه منه. في المقابل، قد يلتقط سلوكًا تكررينه أمامه من دون أن تطلبي منه تقليده.
فالطفل لا يتعلم من الكلام وحده، بل يراقب سلوك الأشخاص الأقرب إليه ويستفيد منه في تكوين فهمه للعلاقات والتعامل مع المواقف اليومية.

منذ سنوات الطفولة المبكرة، يتعلم الأطفال من خلال الملاحظة والتقليد. وهم لا يراقبون ما يفعله الوالدان فقط، بل يلاحظون أيضًا طريقة حديثهما، وردود أفعالهما، وتعاملاتهما مع الآخرين.
لذلك قد يكون لسلوك الأم أو الأب تأثير أكبر في بعض المواقف من النصيحة التي يقدمونها للطفل.
إذا طلبتِ من طفلك التحدث بهدوء بينما يراكِ تصرخين عند الغضب، فقد يجد تناقضًا بين ما يسمعه وما يراه.
ليس المطلوب أن يرى الطفل أمًا لا تغضب، ولا تخطئ، ولا تفقد صبرها.
على العكس، يمكن للطفل أن يتعلم من الطريقة التي تتعاملين بها مع الخطأ بعد حدوثه. فإذا رفعتِ صوتك ثم اعتذرتِ وقلتِ إنك كنت غاضبة وكان بإمكانك التعبير بطريقة أفضل، فأنت تقدمين له نموذجًا عمليًا للاعتذار وتحمل المسؤولية.
فالقدوة ليست غياب الأخطاء، وإنما طريقة التعامل معها.
قد لا يحتاج الطفل إلى محاضرة عن الاحترام حتى يتعلمه.
عندما يراكِ تستمعين إلى شخص آخر من دون مقاطعته، أو تشكرين من يساعدك، أو تحترمين خصوصية الآخرين، فهو يرى أمامه أمثلة حقيقية للسلوك الذي تحاولين تعليمه إياه.
وبالمثل، إذا اعتاد رؤية السخرية من الآخرين أو استخدام الصراخ لحل الخلافات، فقد تصبح هذه الأساليب مألوفة بالنسبة إليه.
هذا لا يعني أن الكلام والتوجيه غير ضروريين.
يحتاج الطفل إلى أن تشرحي له القواعد والتوقعات، خصوصًا عندما يكون صغيرًا أو عندما يواجه موقفًا جديدًا. لكن النصيحة تصبح أكثر وضوحًا عندما تتوافق مع السلوك الذي يراه في المنزل.
يمكنك مثلًا أن تقولي: «نحن لا نضرب عندما نغضب، بل نخبر الآخر بما أزعجنا»، ثم تساعديه على تطبيق ذلك عندما يحدث خلاف مع أخيه.
هنا يجتمع التوجيه مع القدوة والممارسة.
لا تطلبي من طفلك تنظيم مشاعره بينما تمنعينه من التعبير عنها
من أكثر الأمثلة وضوحًا التعامل مع الغضب.
قد يرغب الوالدان في أن يتوقف الطفل عن الصراخ أو البكاء فورًا، لكن الطفل يحتاج أولًا إلى تعلم أن المشاعر نفسها ليست مشكلة، وأن المهم هو طريقة التعبير عنها.
عندما تتعاملين مع غضبك بطريقة أكثر هدوءًا، وتسمحين لنفسك بالتعبير عن الانزعاج من دون إيذاء الآخرين، فأنت تقدمين له نموذجًا يمكنه التعلم منه.
لا يتعلم الطفل فقط من طريقة تعاملك معه، بل من طريقة تعاملك مع الأشخاص حولك.
عندما يرى احترامك للعاملين، واعتذارك عندما تخطئين، واختلافك مع الآخرين من دون إهانة، فهو يتعلم بصورة غير مباشرة شكل العلاقة التي تقوم على الاحترام.
ولهذا قد تكون بعض الدروس التي تقدمينها لطفلك موجودة في تفاصيل يومية لا تنتبهين إليها أصلًا.
لا تكتفي بأن تكوني قدوة صامتة.
بعد أن يلاحظ الطفل سلوكًا معينًا، يمكن أن توضحي له سبب تصرفك. مثلًا: «كنت غاضبة، لذلك أخذت دقيقة قبل أن أتحدث حتى لا أقول شيئًا أندم عليه».
بهذه الطريقة، لا يكتفي الطفل بمشاهدة السلوك، بل يبدأ في فهم السبب وراءه، وهو ما يساعده على تطبيقه في مواقف أخرى.
ماذا تفعلين عندما تلاحظين أنك لا تقدمين النموذج الذي تريدينه؟
ابدئي بخطوة بسيطة بدل محاولة تغيير كل شيء دفعة واحدة.
اختاري سلوكًا واحدًا تريدين أن يتعلمه طفلك، وراقبي الطريقة التي تتعاملين بها معه خلال اليوم. إذا كنت تريدينه أن يتحدث بهدوء، راقبي نبرة صوتك. وإذا كنت تريدينه أن يعتذر عن أخطائه، أظهري له أنك تعتذرين عندما تخطئين.
ومع الوقت، يصبح السلوك الذي يراه متكررًا أكثر وضوحًا من النصيحة التي يسمعها مرة واحدة.
يتعلم الطفل من النصائح، لكنه يتعلم أيضًا من مراقبة ما يفعله الأشخاص الذين يحبهم ويثق بهم. لذلك لا يكفي أن نقول له ما ينبغي أن يفعله، بل من المفيد أن يرى هذا السلوك في حياته اليومية.
والقدوة لا تعني الأم المثالية التي لا تخطئ، وإنما الأم التي تُظهر لطفلها أن الاحترام، والاعتذار، وضبط الغضب، وتحمل المسؤولية ممارسات يمكن تعلمها وتطبيقها في الحياة اليومية.