في السنوات الأخيرة، أصبحت الشاشات جزءًا لا يمكن فصله عن الحياة اليومية، حتى في عمر مبكر جدًا.
الهاتف في يد الطفل، أو التلفاز في خلفية يومه، لم يعد مشهدًا استثنائيًّا. ومع هذا الحضور المستمر، بدأ يتشكل سؤال مهم لدى كثير من الأهل: هل هذا التعرض المبكر يؤثر فعلًا في تطور اللغة؟ أو أن الأمر مجرد مبالغة مرتبطة بالخوف من التكنولوجيا؟
تكمن أهمية هذا السؤال في أن اللغة ليست مهارة عادية، بل أساس تواصل الطفل مع العالم من حوله. من خلالها يعبّر عن احتياجاته، ويفهم الآخرين، ويبني علاقاته الأولى. لذلك، أي عامل قد يؤثر في هذا التطور حتى بشكل بسيط يستحق الانتباه.

رغم أن الشاشات تقدم محتوى غنيًا بالأصوات والكلمات، إلا أن تعلّم اللغة لا يعتمد على السماع فقط، بل على التفاعل الحيّ، والتبادل، والقدرة على الاستجابة. هنا يظهر الفرق بين ما يقدمه الواقع، وما تقدمه الشاشة.
لفهم الصورة بشكل أوضح، إليكِ أبرز الجوانب التي تفسّر علاقة الشاشات بتطوّر اللغة عند الطفل:
يتعلّم الطفل اللغة من خلال التفاعل المباشر: ينظر، يستمع، يردّ، ويكرّر. هذه الدائرة التفاعلية "نظرة، صوت، استجابة" هي ما يبني المفردات ويُنمّي الفهم. عندما يتحدث معه أحد، لا يتلقى كلمات فقط، بل إشارات وجه ونبرة صوت وتوقيتًا يساعده على الربط والمعنى.
المحتوى المرئي يقدّم كلمات وصورًا، لكنه يفتقد عنصر التفاعل الحقيقي. الطفل يشاهد ويسمع، لكنه لا يشارك في الحوار. هذا الغياب يقلل فرص “الأخذ والرد” التي تُعدّ أساس تعلّم اللغة، خصوصًا في السنوات الأولى.
كلما زاد وقت الشاشة في عمر مبكر، تقلّ فرص التفاعل المباشر مع الأهل. هذا لا يعني أن كل طفل سيتأخر، لكن الدراسات تشير إلى ارتباط بين الاستخدام المفرط وتأخر نسبي في اكتساب المفردات أو بطء في التعبير.
تطوّر اللغة يشمل فهم السياق، قراءة التعابير، واستخدام النبرة. هذه المهارات يصعب اكتسابها من الشاشة وحدها، لأنها تعتمد على تفاعل حيّ ومتغيّر، لا على محتوى ثابت.
ليس بالضرورة. الفرق يكمن في “كيف” و”كم”. المحتوى المناسب للعمر، والمشاهدة المحدودة، والأهم: المشاركة مع الطفل كأن تشرحي ما يشاهده أو تطرحي أسئلة، وهو ما يخفف الأثر ويحوّل التجربة إلى فرصة تعلّم.
إذا لاحظتِ تأخرًا في نطق الكلمات، أو قلة التفاعل اللفظي، أو ضعف الاستجابة للأصوات بعد عمر مناسب، يُفضّل تقليل وقت الشاشة وزيادة التفاعل المباشر، مع استشارة مختص عند الحاجة.
التحدث مع الطفل خلال الأنشطة اليومية، قراءة القصص، طرح أسئلة بسيطة، والانتظار ليرد حتى لو كان الرد غير واضح، كلها ممارسات تعزز اللغة أكثر من أي محتوى رقمي.
في النهاية، لا تُختصر المشكلة في وجود الشاشات بحد ذاته، بل في ما قد تستبدله من تفاعل حيّ. فاللغة تنمو في الحوار، لا في المشاهدة فقط. وكل دقيقة تواصل مباشر تمنح الطفل أساسًا أقوى للتعبير والفهم.