عادت مومياء "تخرخوري"، إحدى أبرز الاكتشافات الأثرية في تاريخ الصحراء الليبية، إلى موطنها الأصلي بعد سنوات طويلة من الدراسات والترميم في إيطاليا، لتستقر أخيراً في المتحف الوطني بالعاصمة طرابلس.
وتكتسب المومياء، التي يقدر عمرها بنحو 7000 سنة، أهمية استثنائية لدى الباحثين باعتبارها شاهداً نادراً على حياة الإنسان في الصحراء الليبية خلال عصور ما قبل التاريخ، وعلى مرحلة مناخية مختلفة شهدتها المنطقة قبل آلاف السنين.
أعلنت وزارة الثقافة وصول مومياء "تخرخوري" إلى المتحف الوطني في طرابلس، في خطوة تمثل إنجازاً مهماً لجهود الحفاظ على الآثار الليبية واستعادة الكنوز التاريخية ذات القيمة العلمية والحضارية.
وتعود المومياء إلى امرأة يُعتقد أنها كانت في منتصف الثلاثينات من عمرها عند وفاتها، بينما يقدر عمرها بنحو سبعة آلاف عام، ما يجعلها من أقدم الشواهد البشرية المكتشفة في الصحراء الليبية.
تتمتع مومياء تخرخوري بأهمية استثنائية لدى علماء الآثار والأنثروبولوجيا، إذ توثق فترة مناخية شهدت فيها الصحراء الليبية ظروفاً مختلفة عما هي عليه اليوم، خلال ما يعرف بالعصور المطيرة.
وتساعد الدراسات المرتبطة بالمومياء في فهم طبيعة حياة الإنسان القديم، وأنماط معيشته، والبيئة التي عاش فيها سكان المنطقة خلال عصور ما قبل التاريخ.
اكتُشفت مومياء تخرخوري عام 2003، قبل أن تُنقل في العام التالي إلى معامل جامعة روما لا سابينزا الإيطالية لإجراء الدراسات العلمية والفحوصات المتخصصة عليها.
إلا أن نقص التمويل والدعم خلال السنوات الماضية أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة والترميم، ما أطال فترة بقائها خارج ليبيا قبل أن تنجح الجهود المشتركة أخيراً في إعادتها إلى البلاد.
أسهم التعاون بين الجهات الليبية والمؤسسات العلمية الإيطالية في استكمال أعمال الترميم وإعادة المومياء إلى موطنها الأصلي، ضمن مساعٍ أوسع لحماية التراث الثقافي الليبي وتعزيز الاهتمام بالقطاع الأثري.
وتعد هذه الخطوة جزءاً من جهود متواصلة للحفاظ على الموروث التاريخي الوطني وإتاحة الفرصة للباحثين والجمهور للاطلاع على واحدة من أهم المكتشفات الأثرية في شمال أفريقيا.
عانى التراث الأثري الليبي خلال العقود الماضية من الإهمال وعمليات النهب والتهريب، كما تعرضت مواقع أثرية عديدة لسرقات منظمة استهدفت قطعاً تاريخية نادرة.
ورغم هذه التحديات، نجحت السلطات الليبية بالتعاون مع سفاراتها في الخارج وخبراء الآثار في استعادة عدد من القطع التاريخية المهربة، فيما بادر مواطنون إلى تسليم مقتنيات أثرية عثروا عليها حفاظاً على الإرث الوطني.
شهدت السنوات الأخيرة عدداً من عمليات الاسترداد المهمة، من بينها استعادة رأس تمثال رخامي نادر للسيدة فاوستينا من النمسا عام 2021، بعد مرور 75 عاماً على تهريبه خارج ليبيا خلال الحرب العالمية الثانية.
كما تمكنت السلطات الليبية من استعادة مجموعة من القطع الأثرية المهربة من إيطاليا، في خطوة وصفت آنذاك بأنها سابقة مهمة في ملف استرجاع الآثار المنهوبة.
كشفت وزارة الثقافة الليبية عن تنظيم احتفال رسمي في 30 يوليو/تموز 2026 بمناسبة استلام مومياء تخرخوري وافتتاح معرض أثري مخصص لها داخل قاعة العرض المؤقت بالمتحف الوطني في طرابلس.
ومن المقرر أن تُعرض المومياء أمام الزوار لعدة أشهر، قبل نقلها إلى موقعها الدائم ضمن قاعات ما قبل التاريخ بالمتحف، حيث ستشكل إحدى أبرز القطع الأثرية المعروضة التي توثق تاريخ الإنسان القديم في ليبيا.
تمثل مومياء تخرخوري أكثر من مجرد قطعة أثرية نادرة؛ فهي نافذة فريدة على مرحلة مهمة من تاريخ الصحراء الليبية وحياة سكانها الأوائل. ومع عودتها إلى ليبيا، تضاف صفحة جديدة إلى جهود حماية التراث الوطني واستعادة الكنوز التاريخية التي تعكس عمق الحضارة الإنسانية على الأراضي الليبية.