قبل آلاف السنين من ظهور مفهوم المطبخ الحديث، كان سكان المنطقة التي تقع فيها مدينة حماة السورية اليوم يطورون أساليب خاصة في إعداد الطعام، مستفيدين من اختلاف خصائص أواني الطهي وتنوع المكونات التي وصلت إليهم من مناطق بعيدة.
وتشير دراسة أجراها باحثون دنماركيون إلى أن سكان حماة قبل نحو 4500 عام لم يكتفوا بالأطعمة البسيطة، بل أعدوا وجبات متنوعة شملت اللحوم والحبوب المطهية على نار هادئة، في دليل على امتلاكهم معرفة متقدمة بطرق الطهي خلال العصر البرونزي.

اعتمد الباحثون في نتائجهم على تحليل بقايا عظام حيوانات ونباتات ودهون عُثر عليها داخل أوانٍ للطهي في الموقع الأثري، ما أتاح لهم تكوين صورة أوضح عن العادات الغذائية لسكان المنطقة.
وأظهرت النتائج أن الطهاة في حماة القديمة كانوا يستخدمون أواني مختلفة بحسب نوع الطعام المراد إعداده، إذ اختلفت تلك الأواني في قدرتها على امتصاص الحرارة وتوزيعها.
وترى ميتّه ماري هالد، من المتحف الوطني في كوبنهاغن، أن هذا الأمر يعكس مستوى لافتاً من المعرفة بالطهي، إذ يشبه من حيث المبدأ الطريقة التي يختار بها الناس اليوم أواني مختلفة بحسب طبيعة الطعام الذي يحضرونه.
وصُنعت بعض الأواني محلياً من الطين والكالسيت، بينما استخدمت أوانٍ أخرى مزيجاً من الطين والبازلت، ووصل بعضها إلى المنطقة عبر طرق تجارية بعيدة.
ويكشف اختلاف المواد المستخدمة في صناعة الأواني أن سكان حماة لم يعتمدوا على مصدر واحد لأدوات الطهي، بل استفادوا من مواد محلية وأخرى جاءت من مناطق بعيدة.
لم يقتصر التنوع على أدوات إعداد الطعام، بل امتد أيضاً إلى المكونات نفسها، إذ تشير الأدلة إلى استخدام سكان المنطقة منتجات لم تكن متاحة بالضرورة في محيطهم القريب.
ومن بين الأطعمة التي ظهرت في الأدلة لحم الغزال، الذي كان يصل إلى حماة من مناطق بعيدة باتجاه الشرق، إلى جانب لحوم الماعز والحبوب التي كانت تدخل في إعداد الوجبات.
وتقدم هذه المعطيات صورة عن مجتمع كانت فيه التجارة وتبادل المنتجات جزءاً من الحياة اليومية، بما سمح بوصول مكونات وأدوات من مناطق مختلفة إلى المدينة.
ورغم أن علماء الآثار الدنماركيين بدأوا التنقيب في حماة منذ النصف الأول من القرن العشرين، وتراكمت منذ ذلك الوقت دراسات كثيرة حول الحياة اليومية في المدينة، فإن ثقافة الطعام لم تحظَ بالاهتمام نفسه.
وتوضح هالد أن الموقع يمثل مرحلة شهدت ظهور ممالك ومدن منظمة ومجتمعات تقوم على تراتبية اجتماعية واضحة؛ ولذلك فإن وجود تقنيات متقدمة في إعداد الطعام لا يبدو مستبعداً في ذلك السياق.
لكن المفاجأة بالنسبة إلى الباحثين تكمن في إمكانية العثور على أدلة مادية تسمح بإثبات أن سكان حماة امتلكوا بالفعل مهارات متقدمة في الطهي.
لا تقف الأدلة عند بقايا الطعام والأواني المكتشفة في الموقع، إذ يرى الباحثون أن النتائج تنسجم أيضاً مع وصفات طعام دُوّنت في عصور لاحقة بمدة طويلة.
وتعزز هذه المقارنة فكرة أن تقنيات إعداد الطعام لم تكن مجرد ممارسات عشوائية، بل جزءاً من معرفة غذائية تطورت داخل مجتمعات المدن القديمة.
وتكشف الاكتشافات الأثرية في حماة أن تاريخ الطعام قد يحمل تفاصيل مهمة عن طبيعة المجتمعات القديمة، من خلال ما استخدمته في الطهي وما استوردته من مكونات وكيف تعاملت مع الحرارة والأواني.
وبينما ارتبطت صورة الطعام في أجزاء من أوروبا خلال العصر البرونزي بالخبز واليخنات البسيطة، تقدم حماة نموذجاً مختلفاً لمجتمع عرف تنوع المكونات وتخصص أدوات الطهي قبل نحو 4500 عام، في مؤشر جديد على تطور الحياة اليومية في سوريا القديمة.