تتجه تونس والجزائر ومصر وتركيا إلى تسجيل كتاب "المقدمة" لابن خلدون ضمن سجل "ذاكرة العالم" التابع لمنظمة يونسكو، عبر ملف ترشيح مشترك يسلط الضوء على القيمة التاريخية والعلمية لهذا العمل الفكري، وعلى امتداد حضوره في أكثر من بلد من خلال المخطوطات والنسخ التي حفظت إرثه عبر القرون.
وتأتي الخطوة في إطار مساعٍ لحماية التراث المخطوط المرتبط بابن خلدون وتعزيز حضوره ضمن الذاكرة الثقافية العالمية، في وقت يخضع فيه ملف الترشيح لتقييم لجان الخبراء المعتمدين لدى يونسكو.
أفادت المندوبية الدائمة لتونس لدى يونسكو بأن التنسيق بين الدول الأربع بشأن الترشيح بدأ قبل نحو عام، مشيرة إلى أن الملف دخل حالياً مرحلة التقييم من جانب الخبراء المختصين في المنظمة.
ويستند الترشيح إلى المكانة التي تحتلها "المقدمة" في تاريخ الفكر العربي، فضلاً عن ارتباط مسيرة ابن خلدون بتونس والجزائر ومصر، وامتداد حضور مؤلفه إلى تركيا من خلال ما حفظته مكتباتها ومؤسساتها من نسخ ومخطوطات.
ومن المنتظر أن تعلن يونسكو القائمة الجديدة للتراث الثقافي الذي سيُدرج في سجل ذاكرة العالم خلال ربيع عام 2027، بالتزامن مع اجتماع المجلس التنفيذي للمنظمة.
ويُعد عبد الرحمن ابن خلدون واحداً من أبرز المفكرين العرب في دراسة التاريخ والمجتمعات، واشتهر بإسهاماته في فهم العمران البشري وتحليل تطور المجتمعات والدول.
وامتدت اهتماماته إلى مجالات فكرية متعددة، من بينها التاريخ والفلسفة والاقتصاد والسياسة، فيما ارتبط اسمه بشكل خاص بتأسيس منهج مبكر لدراسة المجتمع والعمران، ما جعله من الأسماء البارزة في تاريخ علم الاجتماع.
أما "المقدمة"، فتأتي في مقدمة أعماله شهرة وتأثيراً، وهي مؤلف موسوعي تناول موضوعات متعددة، من التاريخ والجغرافيا إلى الاقتصاد والشريعة ومجالات معرفية أخرى.
يحمل ملف الترشيح المشترك خصوصية ترتبط بطبيعة التراث المخطوط لـ"المقدمة"، إذ ارتبط تأليف ابن خلدون بمرحلة تنقل بين عدد من مدن وبلدان المنطقة، بينها تونس والجزائر والمغرب ومصر.
كما انتشرت نسخ الكتاب ومخطوطاته في بلدان عدة، من بينها تركيا، وهو ما يمنح التراث المرتبط بالكتاب بعداً عابراً للحدود ويدعم فكرة تقديمه ضمن ملف ترشيح جماعي إلى اليونسكو.
ويعكس هذا الانتشار أيضاً المسار التاريخي الذي قطعه مؤلف ابن خلدون، من التأليف والتداول إلى النسخ والحفظ في مكتبات ومؤسسات ثقافية مختلفة.
بالتزامن مع جهود دعم ملف الترشيح، نظمت لجنة دعم تسجيل "المقدمة" جولة ثقافية في المدينة العتيقة بتونس للتعريف بمسيرة ابن خلدون وإرثه العلمي والتاريخي.
وحملت الجولة عنوان "جولة على خطى ابن خلدون"، وشملت عدداً من المواقع المرتبطة بحياته، بينها مكتبة مدينة تونس "دار بن عاشور" والمكتبة الخلدونية، إلى جانب المنزل الذي وُلد فيه والمدرسة القرآنية التي تلقى فيها تعليمه.
وتأتي هذه الأنشطة في إطار إبراز الصلة التاريخية بين ابن خلدون وتونس، وتعزيز التعريف بالتراث المرتبط بـ"المقدمة"، بالتوازي مع المسار الرسمي لملف إدراجها في سجل "ذاكرة العالم" التابع ليونسكو.