على مدار أكثر من أربعة عقود، نجح الفنان المصري شريف منير، بأن يحجز لنفسه مكانة خاصة بين أبرز نجوم التمثيل في مصر والعالم العربي، بعدما قدم مسيرة فنية ثرية بين الدراما والسينما، جسد خلالها شخصيات متنوعة استطاع أن يقنع بها الجمهور في كل مرة، من الضابط الوطني إلى رجل الموساد، ومن الأدوار الرومانسية والكوميدية إلى الشخصيات المركبة والشريرة، ليؤكد أن الممثل الحقيقي هو من يجعل المشاهد ينسى ما قدمه بالأمس ويصدق ما يقدمه اليوم.
في حوار الأسبوع مع موقع "فوشيا"، يقلب شريف منير في دفاتر مشواره الطويل، مستعرضاً محطات ما بين الحديث والقديم، ويكشف كواليس أحدث أعماله السينمائية "ريد فلاج"، ويتحدث عن سر تحمسه لتجسيد شخصية "ترزي السيدات"، ورأيه في الذكاء الاصطناعي واستخدام صورته وصوته وحقوق الفنانين، والأعمال التي ندم على الاعتذار عنها، وأسباب رفضه بعض الشخصيات مهما كانت الإغراءات، مؤكدًا أن الحفاظ على التاريخ الفني أهم من أي نجاح مؤقت.
ما شجعني على الموافقة على المشاركة في فيلم "ريد فلاج"، كونه عمل خفيف ولطيف، ينتمي إلى الكوميديا الاجتماعية، خاصة بعد عرض مسلسل "رأس الأفعى" في موسم دراما رمضان 2026، وهو عمل كان يحمل أجواءً قاتمة وثقيلة، لذلك رغبت في أن تكون خطوتي التالية مختلفة تمامًا.
كما أن للفنان أحمد حاتم والمخرج محمود كريم دوراً في قبولي المشاركة بعد أن عرضا عليّ فكرة الفيلم ورسالته، وأقدم شخصية مختلفة عما شاهدني بها الجمهور طوال مسيرتي، حيث أجسد دور والد أحمد حاتم، وأعمل "ترزيًا للسيدات"، وهي مهنة لم أقدمها من قبل.
أود أن أوضح أن مصطلح "ريد فلاج" يعني "العلم الأحمر"، وهو تعبير يُطلق على الشخص المستهتر أو متعدد العلاقات، وكأنه بمثابة علامة تحذير أو خطر، وأنا متحمس لمعرفة رد فعل الجمهور عليى الفيلم عند عرضه.
أثناء التحضير للشخصية، فكرت في طريقة استخدام المازورة، وكيفية الحديث مع السيدات، وطبيعة العلاقة التي تجمع الشخصية بزبونات المحل، وكيف يفهم أذواقهن وما يفضلنه أو يرفضنه، وكذلك الأدوات التي يستخدمها داخل الأتيليه. وكل هذه التفاصيل درستها جيدًا، واهتممت بها أثناء التحضير، وأتمنى أن تخرج الشخصية بشكل كوميدي لطيف ينال إعجاب الجمهور.
بالتأكيد هناك اختلاف بين الأجيال، لكن اختلاف الموضوعات هو الأهم، أما التمثيل فيظل وسيلة للتعبير عن هذه الموضوعات. وبحكم أن لدي أبناء من أعمار مختلفة، فقد عاصرت جميع الأجيال، وأعرف طريقة تفكير كل جيل وكيفية التعامل معه. لذلك لم أشعر بوجود فجوة بيننا أثناء التصوير، بل على العكس، وجدت من أحمد حاتم وجميلة عوض كل الاحترام والتقدير داخل موقع التصوير. كما أن المخرج محمود كريم كان حريصًا على أن يمنح كل شخص مكانته وقيمته، وفي المقابل أنا أيضًا أقدرهم جميعًا، لأنهم فنانون موهوبون، وقد عملنا معًا بروح جميلة، وأعتقد أن ذلك سينعكس على الفيلم.
بالفعل كانت شخصية صعبة، وأنا أحب التحديات والأدوار الصعبة، كما أحب العمل مع ممثلين كبار؛ لأن ذلك يدفعني لتقديم أفضل ما لدي.
صعوبة الشخصية أنها لم تكن معروفة لدى الجميع، ولم تكن من الشخصيات التي تظهر كثيرًا في الإعلام أو على مواقع التواصل الاجتماعي. معظم الناس لم يشاهدوها وهي تتحدث أو تتحرك، بل كانت صورها قليلة جدًا، لذلك كان عليّ أن أجتهد.
وقلت لنفسي إن هناك فرقًا بين التقليد والتقمص. التقليد يعتمد على نقل الصوت ولغة الجسد والانفعالات كما هي، وهذا في رأيي ليس جهدًا كبيرًا إذا كان الممثل يمتلك موهبة التقليد.
أما التقمص فهو أن تقدم الشخصية بروحك أنت، دون أن تنقلها بحذافيرها. لذلك لم أقلد نبرة صوته، بل تحدثت بصوتي، وأخذت بعض التفاصيل مثل طريقة المشي وتكوين الجسم، أما الشيء الوحيد الذي نقلته عنه مباشرة فكان نظرة العين. أما الإحساس الداخلي، والعنف الكامن بداخله، ورغبته في السيطرة والوصول إلى الحكم، فهذا اجتهدت أنا في استنباطه وترجمته كممثل، وكانت هذه هي الصعوبة الحقيقية، وكان عليّ أن أبني الشخصية بالكامل من وجهة نظري، والحمد لله حققت رد فعل قويًا ونجاحًا كبيرًا. لكنني في الحقيقة لا أفضل كثيرًا تقديم السير الذاتية؛ لأنها من أصعب الأنواع؛ إذ يكون الممثل مطالبًا إما بالتقليد أو بالتقمص.
هذا يتوقف على طبيعة الشخصية والشر الذي تحمله، وحجم الأذى الذي تسببه. وأحيانًا تكون الصدمة أكبر عندما تبدو الشخصية طيبة وهادئة ولطيفة، ثم يخرج منها كل هذا الشر، فيشعر المشاهد بالمفاجأة. وأنا أحب هذا النوع من الشخصيات أكثر من الشر الصريح والواضح. والشخصية التي قدمتها في رأس الأفعى مثل الثعبان، تراه هادئًا وناعمًا وهو يتحرك، لكن لدغته قاتلة.
بالتأكيد كانت شخصية ثقيلة نفسيًا، ولكي أجسدها كان لا بد أن أؤمن بما تسعى إليه الشخصية، فهي تريد الوصول إلى الحكم والسيطرة والتمكين. ولا يمكن للممثل أن يؤدي مثل هذه الشخصية وهو متردد أو يقف في المنتصف، لذلك كان عليّ أن أعيش دوافعها بالكامل. كما أن مساحة الحوار كانت قليلة، ولذلك اعتمدت بشكل أكبر على التعبير ونظرات العين، لأنهما كانا يوصلان ما بداخل الشخصية أكثر من الكلام.
لا، بالطبع جاء بالصدفة، ولم أكن أقصد أن أسعى وراء عمل يُقدم بهذا الشكل. لكن الجميل في الموضوع أن المطلوب مني كان أن أقدم الشخصيات المتباينة والمتناقضة ببراعة. لماذا؟ لأنك عندما تتحدثين عن شخص خائن أو إسرائيلي، ثم أقدم بعد ذلك شخصية ضابط في المخابرات العامة، قد يقول البعض: كيف كان إسرائيليًا، والآن يجسد ضابطًا في المخابرات العامة؟ وربما يقولون: لا، لن نصدقه.
لكن الذي كان يحدث أن الناس كانت تصدق، فعندما قدمت في "ولاد العم" شخصية ضابط موساد يعيش وسط المجتمع المصري، وفي النهاية يخطف أبناءه وابنته، وكان يسعى إلى تحقيق مصلحة وطنه الذي يراه أفضل وطن في الدنيا، صدق الجمهور الشخصية. وأعتقد أن البراعة في هذا الأمر هي أن تقدم شخصيات متناقضة، ومع ذلك يصدقها الناس جميعًا. والحمد لله، نعم. ففي كل مرة أقدم فيها شخصية، يعيش الجمهور معها، ويفصل بينها وبين كل الشخصيات التي قدمتها من قبل، ويعيش مع الشخصية التي أقدمها في العمل الحالي.
المحاولات موجودة، وفي النهاية الجمهور هو الذي يحكم عند عرض الفيلم في حال تم تقديمه، وأرى في كل الأعمال التي يتم التحضير لأجزاء جديدة منها، إذا لم يُقدم الجزء الجديد بنجاح أقوى، فمن الأفضل ألا يُقدم. وشخصياً لا استطيع الآن الحكم على موقفي من جزء جديد من فيلم "سهر الليالي" قبل أن أعرف كيف كُتب العمل، وكيف سيتم تناوله، وبعدها أستطيع أن أقول رأيي.
ما يميز أعمالي أنها يمر عليها وقت طويل، ومع ذلك يظل الناس يتحدثون عنها حتى اليوم، وهذه أهم نقطة بالنسبة لي. فالناس ما زالت تتحدث عن "ليالي الحلمية"، و"المال والبنون"، و"ولاد العم"، وما زالت هذه الأعمال تُعرض على القنوات الفضائية وتحقق نجاحًا، ويقول الناس: لسه شايفه امبارح، الفيلم ده ما حصلش زيه. وانظري إلى "الكيت كات"، الفيلم من إنتاج 1991، ونحن الآن في عام 2026، وما زال يُعرض حتى اليوم، كما صُنف ضمن أفضل مائة فيلم في السينما المصرية.
لذلك أنا سعيد بتاريخي، وسعيد بما قدمته؛ لأنه ما زال يعيش حتى الآن، وأنا أعيش بهذا التاريخ. قدمت هذه الأعمال لتظل موجودة في سجلي الفني، وأتمنى دائمًا أن يقول الناس: "ما حدش عمل زيك كذا"، فهذا هو هدفي.
ليس شرطًا أن أحب الشخصية، فمثلًا عندما قدمت شخصية "رأس الأفعى"، فهي شخصية لا تُحب، لكنها بالنسبة للممثل شخصية يحب أن يؤديها؛ لأن فيها تحديًا. أما معاييري في اختيار الشخصيات، فهي تتطور مع تطور الزمن؛ لأنني لن أستطيع أن أقدم "ليالي الحلمية" مرة أخرى، بل أصبحنا نعمل على ما يناسب المرحلة الحالية. حتى الشوارع التي نصور فيها تغيرت، والسيارات تغيرت، والملابس تغيرت، والشكل العام تغير، لذلك أصبحت أبحث عن العمل الذي يكون له تأثير إيجابي في المجتمع.
نعم، أحيانًا تكون لدي احتياجات مادية، ويُعرض عليّ عمل لا يعجبني مستواه، فلا أذهب إليه ولا أقدمه. فالمسألة ليست جمع أموال فقط. قد أجمع المال، لكن الناس لن تكون راضية عني، وسيقولون: "أنت كده بتبوظ تاريخك"، ولذلك لا أقبل بذلك.
نعم، بالتأكيد، هناك شخصيات لا أستطيع تقديمها، كتجسيد الشخصية المثلية، أو شخصية الرجل الديوث، وليس لأنني لا أستطيع أداءها، لكنني لا أحب أن أؤديها، لأنها ستترك أثرًا غير جيد.
نعم، حدث ذلك مع فيلم "شقة مصر الجديدة". عُرض عليّ واعتذرت عنه، وبعد ذلك شعرت أنه كان من الممكن أن أقدمه، وأنني أخطأت في تقديري.
شخصية "الزيبق"، لأنها من أصعب الشخصيات التي قدمتها، فقد كنت أجسد رئيس الخدمة السرية في المخابرات العامة. ولا يوجد أحد في مصر، سواء من الممثلين أو غيرهم، شاهد هذا النوع من الأشخاص وهم يعملون، فلا أحد رأى ضابط المخابرات العامة كيف يعمل، ولا ضابط المخابرات الحربية كيف يعمل. لذلك كانت الشخصية من بنات أفكاري، وهذا ما اجتهدت في تقديمه من عندي، والحمد لله أشادت بها الجهات المعنية المختصة، وقالوا لي: أنت قدمت الشخصية أفضل مما كنا نتخيل.
وأنا كنت أذاكر الشخصية على أساس أنها يجب أن تكون غامضة قليلًا، قليلة الكلام، حادة النظرات، سريعة البديهة، ويبدو عليها أنها لا تفهم، بينما هي في الحقيقة تفهم كل شيء، وهذا كنت أجسده من خلال طريقة تعاملي. أما تدريبي للفنان كريم عبد العزيز، فكانت هناك أمور تشرف عليها الجهة المختصة، ولكن في حدود معينة، أما أكثر من ذلك فلم يكن مسموحًا به.
الأعمال التي تتناول عمليات مخابراتية حدثت في مصر لا بد أن يمر عليها ما لا يقل عن ثمانية عشر عامًا حتى يُسمح بتقديمها وتحصل على الموافقات. فعلى سبيل المثال، العملية التي تناولها العمل حدثت عام 1997، وكانت من الملفات الحقيقية، وبعد مرور هذه المدة سُمح بتقديمها، ولذلك نفذنا العمل.
حتى الآن ما زلنا نحاول، وهناك احتمال كبير أن يُنفذ الجزء الثاني قريباً، وقد يلحقه جزء ثالث؛ لأن القصة أساساً معدة لتقدم على ثلاثة أجزاء.
أصبحت أكثر تأنّيًا، ولم أعد متلهفًا على العمل كما كنت في السابق. أحب أن يأتي العمل إليّ وأنا جالس بهدوء، ثم أحكم عليه بهدوء أيضًا. كما أنني لم أعد أفكر بأن أكون المتصدر الوحيد لأي عمل. هذه سنة الحياة؛ فهناك جيل يصعد وجيل يسلّم الراية لمن بعده، كما جئنا نحن بعد الأجيال السابقة، وسيأتي من بعدنا جيل آخر. لكن هناك أمرًا لا أتنازل عنه، وهو أن أكون عنصرًا مهمًا في العمل، لا أقول أن أكون البطل الأوحد، لكنني أحرص على أن أكون عمودًا أساسيًا، بحيث إذا غبت لا يكتمل العمل، وأن يكون وجودي مميزاً ومؤثراً.
وطوال عمري لم أحب أن أجري وراء العمل، بل أحب دائمًا أن تكون لديّ عزة نفس، فلا ألهث خلف الأعمال. وإذا عُرضت عليّ عدة أعمال جيدة في الوقت نفسه، أختار واحدًا فقط، ولا أحب الطمع، وأترك الفرصة لغيري.
نعم، فيلم "ليه تعيشها لوحدك" لم يحصل على التقدير الذي كنت أتوقعه. وكذلك فيلم "الشياطين"؛ لأنه عُرض في توقيت امتحانات الثانوية العامة، فلم يشاهده الناس بالشكل الكافي.
فقدان الشغف ليس واردًا عندي، لأنني دائمًا أجدد نفسي. حتى اليوم ما زلت أعزف الموسيقى، ولدي فرقة، ولم أتوقف عنها، بل إن الموسيقيين القدامى يقولون لي إنهم يحيّون فيّ إصراري على الاستمرار في ممارسة الشيء الذي أحبه. أما الفشل، فلا أحد يحبه، لكنه وارد. فمن الممكن أن يفشل الإنسان في عمل، حتى يشعر بعد ذلك بطعم النجاح عندما ينجح في العمل التالي. لو كنت ناجحًا طوال الوقت، فلن أشعر بقيمة النجاح. لذلك قد يتعرض الإنسان للإخفاق، فالكمال لله وحده، ولا يوجد إنسان كامل. لكن الفشل في عمل لا يعني الفشل في الحياة، بل يعني أن ينتبه الإنسان لما بعده، ويقف مرة أخرى على قدميه. كثيرون سقطوا ثم عادوا أقوى مما كانوا.
لا، إطلاقًا.
أنا أساسًا معترض على الإفراط في استخدام التكنولوجيا، لأنها كما هي نافعة في أشياء كثيرة، فهي أيضًا مضرة جدًا في أشياء أخرى.
الذكاء الاصطناعي رائع في الأمور الإنتاجية، فبدلًا من الاستعانة بآلاف الأشخاص في مشهد جماهيري، يمكن تنفيذه بالذكاء الاصطناعي، وكذلك مشاهد المطاردات أو تكسير السيارات، وهذا يوفر كثيرًا من تكاليف الإنتاج، ولا مشكلة لدي في ذلك.
لكن اعتراضي الحقيقي أن الذكاء الاصطناعي جعل الناس لا تميز بين الحقيقة والكذب. فمن الممكن أن يُنشر تصريح مزيف لرئيس دولة، فيتسبب في أزمة بين الدول، وهذا أمر خطير جدًا، ولذلك أنا لا أوافق عليه.
لا أوافق أيضًا؛ لأن هذا سيكون كذبًا، فأنا لم أقدم هذا العمل. وربما لو عُرض عليّ أصلًا لرفضته، لأنه قد لا يعجبني. وبالتالي لا يجوز أن يستغل أحد صورتي وصوتي ويجبرني على تقديم شيء لست راضيًا عنه، وربما يضر بلدي أو مجتمعي.
الفنان ياسر جلال أعلن تفعيل حق الأداء العلني للفنانين. ما رأيك في هذه الخطوة؟
خطوة عظيمة جدًا جدًا، وأنا أنادي بها منذ سنوات طويلة، وكانت هناك محاولات قديمة نجحت في مجال الموسيقى فقط. في فرنسا مثلًا، أي ملحن أو مؤلف موسيقي يحصل على حقوقه كلما استُخدمت أعماله، وكنا نتمنى أن يحدث ذلك أيضًا في السينما والتلفزيون.
وأرى أن ياسر جلال قام بعمل بطولي وعظيم، وأحييه عليه.
وأتمنى أن يتحقق ذلك بالكامل، فمثلًا الكاتب الكبير نجيب محفوظ عندما تُطبع كتبه في فرنسا أو إنجلترا أو مصر، يحصل هو أو ورثته على حقوق هذه الطبعات، وهذا حقه؛ لأنه هو الذي كتبها، وما زالت أعماله تحقق عائدًا حتى اليوم. ونحن أيضًا تعبنا، وصورنا في الحر والبرد، وسقطنا في المياه، وتعرضنا للمخاطر من أجل الأعمال التي يستمتع بها الجمهور ويستفيد منها، فليس من المنطقي أن ينتهي كل شيء بمجرد انتهاء العرض.