تعد الطيبة والتعاطف من أسمى الصفات التي تضفي دفئا على روابطنا بالآخرين. لكن التحدي الحقيقي يظهر عندما تكتشفين أن رغبتك في إسعاد من حولك قد تحولت تدريجيا إلى قيد غير مرئي يدعى عقدة إرضاء الآخرين، حيث تجدين نفسك مدفوعة لقول نعم لكل طلب، على حساب وقتك، وصحتك النفسية.
هذا السلوك يشكل عائقا أمام بناء علاقات متوازنة قائمة على الاحترام المتبادل. لذلك أصبح من الضروري إتقان مهارات وضع الحدود النفسية، والتعامل مع هذه الرغبة الضاغطة بوعي وذكاء عاطفي يضمن لك العيش بسلام وأصالة، من دون الدخول في دوامة الشعور بالذنب.

إليك خطوات عملية مدروسة تساعدك على استعادة توازنك النفسي، وقول لا باحترافية وثقة عندما يتطلب الأمر، من دون خسارة مقربيك:
المشكلة الكبرى لمن تعاني من هذه العقدة هي الرد التلقائي السريع بنعم لتجنب الحرج اللحظي.
وهنا جربي كسر هذه الحلقة التلقائية بتبني سياسة التأجيل الإيجابي. فعندما يطلب منك شيء، لا تجيبي فورا، بل استخدمي عبارات تمنحك مساحة للتفكير، مثل: دعيني أراجع جدولي اليوم وسأرد عليك لاحقا، أو أرغب في التأكد من التزاماتي. هذه المهلة تفصل بين ضغط الطلب وبين قرارك العقلاني.
الرفض لا يعني القسوة، بل هو مهارة تواصل تصاغ بذكاء. يمكنك قول لا بطريقة ناعمة وحازمة في آن واحد. وعلى سبيل المثال: يسعدني جدا أنك فكرت بي لمساعدتك، لكنني للأسف لن أتمكن من القيام بذلك هذه المرة بسبب ضيق وقتي، أتمنى لك التوفيق في إنجازه. ومثل هذه الردود تضع حدا واضحا يحمي طاقتك مع الحفاظ على الود.
هناك خيط رفيع جدا بين أن تكوني شخصا متعاونا، وبين أن تصبحي ملاذا متاحا دائما لمن يستغلون طيبتك على حساب أولوياتك.
اختبري مشاعرك بهدوء: هل تقولين نعم بدافع الرغبة الحقيقية في المساعدة، أم خوفا من أن يتم رفضك أو يقال عنك أنك أنانية؟ إذا كان السبب هو الخوف، فاعلمي أنك في منطقة الاستنزاف، وتذكري أن من يحبك ويحترمك حقا سيتقبل حدودك ولا ينتظر منكِ التضحية المستمرة.
محاولة التغيير الجذري المفاجئ قد تصيبك بالقلق وتدفعك للتراجع، لذلك طبقي الحدود في مواقف بسيطة وقليلة المخاطر لا تسبب لك ضغطا كبيرا. كأن ترفضي بلطف اقتراحا لمطعم لا تفضلينه، أو تعتذري عن مكالمة هاتفية طويلة في وقت راحتك مع قليل من التفسير من دون إفراط. وتأكدي أن كل لا صغيرة تتدربين عليها تبني ثقتك بنفسك لمواجهة المواقف الكبرى.
في المحصلة، لطفك مع الآخرين يجب ألا يتضمن القسوة على نفسك، ووضع حدود واضحة لعطائك هو جزء أساسي من صحتك النفسية واحترامك لذاتك. ومن حقك دائما أن تكوني الأولوية في حياتك.