ثلاث عشرة ليلة معلّقة فوق جدار صخري شاهق، في ظروف لا تسمح بالكثير من هامش الخطأ، كانت كافية لتضع المتسلقة البريطانية فاي مانرز اسمها في تاريخ تسلق الجبال.
ففي 13 أغسطس/آب، أصبحت مانرز، البالغة 39 عامًا، أول امرأة بريطانية تفتح مسارًا جديدًا على الوجه الشمالي لجبل إيغر في سويسرا، بعد رحلة شاقة جمعتها بشريكها في التسلق روجر شالي.

اختارت فاي مانرز جبل إيغر لما يحمله من تاريخ طويل في عالم تسلق الجبال، ولشهرة وجهه الشمالي بين المحترفين باعتباره أحد أكثر الجدران الصخرية تحديًا.
ويصل ارتفاع الوجه الشمالي للجبل إلى نحو 1800 متر، وقد نجح المتسلقون في اجتيازه للمرة الأولى عام 1938، ليصبح منذ ذلك الوقت واحدًا من أبرز التحديات في جبال الألب.
وترى مانرز أن تاريخ إيغر، الذي شهد فتح العديد من المسارات الجديدة منذ ثلاثينيات القرن الماضي، كان أحد الأسباب الرئيسة التي دفعتها إلى خوض هذه المغامرة.
يقصد بفتح مسار جديد في تسلق الجبال إنشاء طريق لم يكن موجودًا من قبل على الجبل، بحيث يمكن للمتسلقين الآخرين استخدامه لاحقًا.
وقالت مانرز إن الوجه الشمالي لجبل إيغر يتمتع بدرجة عالية من الصعوبة بسبب انحداره الحاد، وتساقط الصخور، وتقلبات الطقس، إضافة إلى محدودية الخيارات المتاحة للانسحاب أثناء التسلق.
وأضافت أن الجبل شهد على مدى عقود متسلقين رجالًا فتحوا مسارات جديدة، إلى جانب نساء تركن بصمتهن في تاريخه، ومن بينهن المتسلقة الفرنسية كاثرين ديستيفيل التي تمكنت من تسلق الوجه الشمالي بمفردها خلال 17 ساعة.
لم تكن المغامرة مجرد رحلة صعود عادية، إذ أمضت فاي مانرز وشريكها روجر شالي 13 ليلة على الجبل، وهما يعيشان داخل منصة معلقة تعرف باسم «بورتليدج».
وتُستخدم هذه المنصة القابلة للطي كمساحة للنوم والإقامة على الجدران الصخرية، وتتيح للمتسلقين الاحتفاظ بمعدات أساسية مثل أكياس النوم والمياه والطعام.
وصفت مانرز الإقامة على الجدار بأنها تجربة قاسية، موضحة أن أبسط تفاصيل الحياة اليومية تحولت إلى مهمة شاقة بسبب موقعهما المكشوف والمرتفع.
وقالت إن طهي الطعام أو حتى الذهاب إلى دورة المياه يصبح أمرًا معقدًا عندما يكون الشخص معلقًا على جدار جبلي، مشيرة إلى أن قسوة الظروف لم تتضح لها بالكامل إلا بعد انتهاء الرحلة.
وبعد عودتها، شعرت مانرز بإرهاق شديد نتيجة قلة النوم، واضطرت إلى النوم لعدة أيام لاستعادة طاقتها.
أطلق الثنائي اسم "كسوف الشمس" على المسار الجديد، بعدما شاهدا الكسوف في 12 أغسطس/آب وهما معلقان على ارتفاع يقارب 750 مترًا فوق الجدار الصخري لجبل إيغر.
وصفت مانرز المشهد بأنه لحظة سريالية، موضحة أنهما شاهدا الظاهرة الفلكية من منصتهما الصغيرة بينما كانا محاطين بالكامل بالجبال.
وقالت إن تجربة مشاهدة الكسوف من هذا الموقع الاستثنائي جعلت اللحظة مختلفة تمامًا، خصوصًا أنهما كانا يعيشان فعليًا على وجه الجبل خلال تلك الفترة.
نشأت فاي مانرز في مدينة بيدفورد البريطانية، ودرست في مدرسة ديم أليس هاربور، قبل أن تلتحق بجامعة لوبورو لدراسة علوم المعلومات.
وبدأت حياتها المهنية في قطاع التكنولوجيا، لكنها انتقلت لاحقًا إلى عالم تسلق الجبال والتزلج بصورة احترافية، وأصبحت عضوًا في فريق الرياضيين الدوليين التابع لشركة ذا نورث فيس.
وتعيش مانرز حاليًا في فرنسا، وكرست جانبًا كبيرًا من حياتها للرحلات الاستكشافية وتسلق الجبال في مناطق مختلفة حول العالم.

واجهت مانرز وشريكتها في التسلق ميشيل دفوراك موقفًا بالغ الخطورة عام 2024 خلال وجودهما على جبل تشاوخامبا في الهند، عندما انقطع الحبل الذي كان يرفع متعلقاتهما، ما أدى إلى سقوط المعدات إلى أسفل الجبل.
وعلى الرغم من صعوبة التجربة، لم تجعلها تلك الحادثة تتراجع عن خوض مغامرات جديدة، إذ أكملت في أبريل/نيسان الماضي رحلتها الاستكشافية العشرين.
لا يبدو أن إنجاز فتح المسار الجديد يمثل نهاية الرحلة بالنسبة إلى مانرز، إذ تأمل العودة مستقبلًا إلى جبل إيغر لتسلق المسار الذي ساهمت في إنشائه.
وتريد مانرز وشالي أيضًا استكمال بعض أعمال التنظيف والترتيب في المسار، بهدف جعله أكثر جاهزية أمام المتسلقين الآخرين.
وقالت مانرز إنها لا تفكر كثيرًا في المستقبل البعيد، وإن تركيزها ينصب على اليوم التالي، لكنها أكدت رغبتها في العودة إلى المسار بعدما أمضيا وقتًا طويلًا في فتحه، وإنجاز ما يلزم ليصبح طريقًا مناسبًا للمتسلقين في المستقبل.
وهكذا، لم تكتفِ فاي مانرز بتسلق أحد أشهر وجوه الجبال في العالم، بل تركت طريقًا جديدًا يحمل اسم «كسوف الشمس» على جدار إيغر، ليكون جزءًا من تاريخ الجبل الذي استمر في جذب المتسلقين لأكثر من ثمانية عقود.